إلى أين تتجه كولومبيا بعد الانتخابات الرئاسية الأخيرة؟ سؤال يناقشه خبير أمريكي في شؤون أمريكا اللاتينية، في مقال بنيويورك تايمز، معتبرا أن البلاد لا تشهد مجرد انتقال سياسي من اليسار إلى اليمين، بل تدخل مرحلة جديدة من عدم اليقين قد تمثل "قفزة إلى المجهول".
ويرى مايكل شيفتر أن انتخاب رجل الأعمال والمحامي المحافظ أبيلاردو دي لا إسبرييا، المدعوم من الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، لا يعكس تحولا أيديولوجيا تقليديا بقدر ما يعبر عن موجة غضب متصاعدة ضد المؤسسات السياسية التقليدية وعجزها عن معالجة الأزمات المزمنة التي تعانيها البلاد.
ويقول الكاتب إن كولومبيا، شأنها شأن كثير من دول أمريكا اللاتينية، تعيش منذ سنوات حالة من التمرد الشعبي ضد الحكومات القائمة، بغض النظر عن توجهاتها السياسية، إذ أصبح مطلب التغيير "أكثر قوة من أي أيديولوجيا بعينها".
ويضيف أن المخاوف الاقتصادية والأمنية دفعت قطاعات واسعة من المواطنين إلى القبول بقادة ذوي نزعات سلطوية، طالما أنهم يقدمون وعودا بحلول سريعة وملموسة للمشكلات اليومية.
ويشير شيفتر إلى أن هذه الدينامية نفسها هي التي أوصلت الرئيس المنتهية ولايته غوستافو بيترو إلى الحكم عام 2022، لكنها اليوم تغذي صعود خصمه المحافظ.
ويرى الكاتب أن بيترو، شأنه شأن عدد من القادة الشعبويين في أمريكا اللاتينية، "كان أكثر نجاحا في الحملات الانتخابية منه في الحكم"، وشهدت إدارته صراعات داخلية وفضائح فساد، فضلا عن عجزها عن تحويل وعودها الإصلاحية إلى سياسات مستدامة.
كما واجهت البلاد اختلالات مالية وأزمة في القطاع الصحي وتراجعا في كفاءة الجهاز الإداري الذي كان يُعد إحدى نقاط القوة التقليدية للدولة الكولومبية.
ويعتبر شيفتر أن أكبر إخفاقات بيترو تمثلت في الملف الأمني إلى درجة أن كثيرا من الكولومبيين باتوا مقتنعين بأن الحكومة "فقدت السيطرة على البلاد".
في المقابل، نجح دي لا إسبرييا في استثمار هذه المخاوف عبر تقديم نفسه بديلا قويا، مستندا إلى خطاب شعبوي يجمع بين الوعود الأمنية والرسائل العاطفية. كما استلهم جزءا من برنامجه من سياسات رئيس السلفادور نجيب بوكيلي، القائمة على الاعتقالات الجماعية وتوسيع صلاحيات الجيش والشرطة.
ويتوقع الكاتب أن تتجه كولومبيا، إذا تولى دي لا إسبرييا السلطة، إلى تعزيز دعم القطاع الخاص والاستثمارات الأجنبية، واعتماد أجندة اجتماعية أكثر محافظة، فضلا عن توثيق علاقاتها مع الحكومات اليمينية في المنطقة.
لكنه يحذر من أن هذه السياسات قد تأتي على حساب المعايير الديمقراطية، عبر إضعاف استقلال القضاء وتقليص الضوابط المفروضة على السلطة التنفيذية.
ويشير إلى أن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب سيكون أحد أبرز داعمي الرئيس الجديد، خاصة أن الأخير يحمل الجنسيتين الكولومبية والأمريكية. ومن المرجح أيضا أن يتعزز التعاون الأمني والعسكري بين واشنطن وبوغوتا، لكن هذا التوجه يثير قلق قادة يساريين في المنطقة يخشون اتساع نطاق التدخل الأمريكي في أمريكا اللاتينية.
ورغم هذه المخاوف، يؤكد شيفتر أن السنوات الماضية أظهرت قدرة المؤسسات الكولومبية على الصمود.
فخلال عهد بيترو، نجح الكونغرس والمحاكم ومنظمات المجتمع المدني ووسائل الإعلام المستقلة في كبح محاولات التوسع في صلاحيات السلطة التنفيذية.
ويشير إلى أن دي لا إسبرييا قد يواجه بدوره القيود نفسها، خصوصا أن حركته السياسية لا تمتلك أغلبية برلمانية، ما سيجبره على التفاوض مع القوى السياسية التي هاجمها طوال حملته الانتخابية.
ويخلص الكاتب إلى أن السؤال الحقيقي لا يتعلق بما إذا كانت كولومبيا قد انتقلت من اليسار إلى اليمين، بل بما إذا كانت مؤسساتها الديمقراطية قادرة على استيعاب موجة جديدة من الغضب الشعبي من دون التضحية بسيادة القانون.
فالإجابة عن هذا السؤال، كما يقول، ستحدد ما إذا كانت الانتخابات الأخيرة مجرد حلقة جديدة في دورة سياسية متقلبة، أم أنها بالفعل "قفزة خطيرة إلى المجهول".
المصدر:
الجزيرة