كتب نبيل بو منصف في" النهار": من الطبيعي أن ترتسم علائم الدهشة لدى اللبنانيين حيال ذاك النمط الطالع من ديبلوماسيات التفاوض في سويسرا بعد إسلام آباد، الذي "زج" بلبنان قسراً، ومن دون العودة إلى سلطته أولاً، ولا إشراكها أقله في التشاور قبل القرار، في مسار "فرعي" استولد ما سمي "خلية تجنب التصعيد" في
لبنان ، ضمت مبدئياً
الولايات المتحدة الأميركية وإيران والجمهورية
اللبنانية ولكي تكتمل الأفراح، أبلغ الثنائي الأميركي - القطري رئيس الجمهورية اللبنانية بالحدث السعيد. والحال أن الخلية الوليدة هذه، إن كان من دلالات أكبر من قصة تشكيلها بمعزل عن لبنان بداية، ومن ثم تثبيت
إيران فيها للمرة الأولى، فهي في إقحام لبنان في تعددية مسارات غريبة لسنا نعثر في تاريخ التجارب ولا في علم الديبلوماسيات على ما يشاكلها. بدت الخلية هذه بمثابة إمعان في رفع منسوب المكاسب الإيرانية لا أكثر ولا أقل.
لبنان على مساري سويسرا وواشنطن معاً، أيّ فرح أعظم من هذا التدليل! لكن أيّ مسار سيتبعه لبنان الآن، فيما هو يتحول كله ساحة اختبارية لزواج مصلحة جمع أميركا وإيران؟
وكتب عبدالوهاب بدرخان في" النهار": لا تعمل كل المسارات، الأميركية والإيرانية والإسرائيلية، كما يتمناها لبنان الدولة والشعب. الفرص متاحة أمام الأطراف الثلاثة، خصوصاً الولايات المتحدة، للعمل وفقاً لما يتطلّبه أي تعامل قانوني سلمي حقيقي مع الدولة اللبنانية، أما تهميشها وتجاوزها أو الاستخفاف بسيادتها وعدم احترام مصالحها، فتعني أن هذه الأطراف مصممة على تكريس لبنان ساحة مفتوحة لصراعاتها. والأرجح أنه سيبقى كذلك ما لم تتحول الهدنة بين أميركا وإيران إلى سلام.
إصرار
إيران على أن تشمل "مذكرة التفاهم" مع أميركا وقفاً لإطلاق النار في لبنان ينطوي طبعاً على سعي إلى "شرعنة دولية" لتدخلها ونفوذها الممثلين بـ"حزب إيران/
حزب الله "، لكنه يصطدم عند التطبيق بأن هناك دولة في لبنان تمثّل ثُلثي الشعب على الأقل، وأن هذا "الحزب" ذهب بعيداً في إظهار انقلابيته على الدولة من دون أن يقدّم للبنانيين نموذجاً أفضل لا في الحكم والإدارة، ولا في احترام العيش المشترك، ولا حتى في النزاهة ومكافحة الفساد. كان كلّ لبنان مع "المقاومة" حتى تحرير الجنوب (عام 2000)، وبعد ذلك أصبح "الحزب" و"المقاومة" مصدرين للانقسام وزعزعة الاستقرار ومساهمين أساسيين في انهيار الاقتصاد وأداتين لقمع أي انتفاضة شعبية. صار سلاح "الحزب" (قبل حرب 2006 وبعدها) ولا يزال موضع خلاف رئيسي في البلد، وفقد شعبيته ومصداقيته الى حدّ وصمه - وهو "بطل التحرير"؟! - بأنه بات يستخدم شعار "المقاومة" ليستدرج الاحتلال
الإسرائيلي . خاض حربيْ "إسناد غزة" و"الثأر لخامنئي" أملاً بالعودة منهما للاستيلاء على الدولة، وحين عاد أخيراً إلى "المقاومة" ضد الاحتلال الجديد افتقر إلى المقوّمات التي كانت تسانده سابقاً، فكل صاروخ ومسيّرة يُطلقان على العدو يسهمان في توسيع رقعة الاحتلال، عدا القتل والدمار والتجريف، ولا يجد قادة "الحزب" مخرجاً إلا في التهجّم على الدولة وتخوينها.
بعد ما يبدو أنه "تفاهم" أميركي-إيراني في سويسرا على وقف إطلاق النار و"ضمان وحدة الأراضي اللبنانية وسلامتها" و"تفاهم" بمضمون مشابه في "مفاوضات واشنطن"، هل أصبح الطريق ممهداً ومفتوحاً للبحث جدياً في الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية؟ هذا ما يعطي للمفاوضات المباشرة معناها ومبررها. لعل توبيخ
دونالد ترامب المتكرر لبنيامين نتنياهو وإطفاء "الضوء الأخضر" الأميركي للتوحّش الإسرائيلي في لبنان أفادا هذه المرّة في وضع
إسرائيل أمام الواقع الجديد: إما أن تنسحب لمصلحة الدولة اللبنانية، أو تضطر للانسحاب لاحقاً بفعل عرقلة إيرانية للمفاوضات النووية مع الولايات المتحدة...
وكتبت روزانا بومنصف في" النهار": اللجنة التي اتفق على تأليفها في إطار مفاوضات بريغنشتوك لتفادي التصعيد وضمان التزام وقف العمليات العسكرية في لبنان، تستبدل لجنة "الميكانيزم" بلجنة أعلى مستوى باتت تشارك فيها إيران مباشرة بدلاً من مشاركة إسرائيل المباشرة. هذه الهدية الأميركية لإيران التي تضعف الدولة اللبنانية وتساهم عملانياً في تقويض سلطتها وسيادتها على القرار اللبناني، يخشى كثر أن تحجز لإيران نفوذاً دائماً في صلب المعادلة اللبنانية والواقع السياسي، بإقرار وغطاء أميركيين، تحت ذريعة الحاجة إلى التأثير على "حزب الله".
والأمر الآخر يتصل بطمأنة الحزب معنوياً ومن خلاله الطائفة الشيعية إلى ضمان إيران مصالحه حتى في معرض انسحابه من الجنوب ونزع ورقة إيران في بقائها على الحدود مع إسرائيل، الأمر الذي يفقدها ويفقده عملياً الورقة التي تختبئ وراءها لتبرير تسليح الحزب، أي محاربة إسرائيل. يقود ذلك إلى أن إيران لن تتمكن من استخدام الاتفاق مع الولايات المتحدة لتوفير غطاء سياسي أو أمني للوجود العسكري لـ"حزب الله" في جنوب لبنان، بل إن استمرار التهدئة سيبقى مرتبطاً بانسحاب عناصر الحزب وتسليم المواقع التي يسيطرون عليها للجيش اللبناني.
الإشكالية الأخرى التي لا تقل أهمية تتصل بالدولة اللبنانية بالذات وقدراتها في ظل علامات استفهام كبيرة بعد انكشاف ثغر كبيرة في أدائها، على مستوى تحركها البطيء منذ انطلاق السلطة الجديدة وقصور تحركها إقليمياً ودولياً، مع أن رهانها الأساسي والمحوري على الولايات المتحدة التي لديها ملاحظات كثيرة على أداء السلطة والجيش اللبناني، على رغم إطلاقها مساراً تفاوضياً مستقلاً للبنان مع إسرائيل التي لديها أيضاً مصالحها واستراتيجيتها في المنطقة، مما يجعلها تتجاهل لبنان ككل كما فعلت مراراً وتكراراً.