في اليوم الذي أُعلن فيه اتفاق وقف إطلاق النار بين
واشنطن وطهران، شهدت الطرقات المؤدية إلى
جنوب لبنان ازدحامًا خانقًا. وضّب كثيرون حقائبهم وتحركوا باتجاه قراهم وبلداتهم، إذ رأى بعضهم في الإعلان إشارة كافية للعودة إلى ما تركوه خلفهم. غير أن من وصل وجد نفسه أمام مشهد مغاير: آليات بلدية تعمل على فتح طرقات مقفلة بفعل الدمار، ومسيّرات لا تزال تحلّق في السماء، وتحذيرات من الجيش تطلب التريث والالتزام بتوجيهات الوحدات المنتشرة.
ما بدا واضحًا يومها هو أنّ وقف النار ليس تلقائيًا مفتاحًا للعودة، وتكاد تجارب وقف إطلاق النار الأخيرة، على كثرتها، تشكّل خير دليل على ذلك. فالعودة الحقيقية تحتاج إلى أكثر من إعلان تهدئة؛ تحتاج إلى ضمان أمني على الأرض، وقرار سياسي واضح، وإشارة رسمية تقول للنازح إن ما تركه لا يزال قابلًا للحياة. وهذه الشروط الثلاثة غائبة حتى اللحظة عن الجنوب ، رغم أن الاتفاق أُعلن وبدأ سريانه.
لذلك، تبدو العودة اليوم أشبه بقرار معلّق. وقف النار يمنح الناس فرصة للتنفس، لكنه لا يمنحهم بالضرورة شعور الأمان. وهنا تكمن المفارقة الأعمق في المشهد: لا
الشمال
الإسرائيلي عاد كاملًا إلى طبيعته، ولا الجنوب اللبناني استعاد حياته. غير أن الفارق كبير في طبيعة الانتظار. فالإسرائيلي يتردد لأسباب نفسية واقتصادية، لكنه يملك خيار القرار. أما اللبناني فينتظر لأن مفتاح العودة ليس في يده وحده، وهو مرهون بيد الطرف الذي يُفترض أن ينسحب.
انتظار قسري وليس اختياريًا
بالنسبة إلى أبناء الجنوب، لم تعد العودة مجرّد انتقال من مكان نزوح إلى قرية. هي قرار عائلي ومالي وأمني في وقت واحد. فقرار كهذا في السياق الراهن قد يعني العودة إلى منزل مهدوم، أو إلى قرية لا تزال في نطاق التحذير الإسرائيلي، أو إلى بلدة تحلّق فوقها طائرة مسيّرة لا يعرف أحد متى تطلق صاروخها. لهذا السبب، غادرت من أحد مراكز إيواء
صيدا ، منذ إعلان الاتفاق، 18 عائلة فقط من أصل 216 عائلة مسجّلة، وفق ما رصدته منظمات إغاثية تعمل في المنطقة. ليس لأن الباقين لا يريدون العودة، بل لأنهم لا يجدون ما يطمئنهم إلى أن الخطر انتهى.
من هنا، لا يستطيع النازح أن يتصرف كأن وقف النار وحده يكفي. هو يحتاج إلى ما هو أبعد من إعلان سياسي. لكنّ ذلك لم يحصل، فالجيش والبلديات الجنوبية لم يدعوا الناس إلى التريث من باب البيروقراطية أو التشكيك في الاتفاق. دعوتهم للتريث جاءت لأن الواقع الميداني يفرضها: خروقات إسرائيلية لم تتوقف، ذخائر غير منفجرة منتشرة في أرجاء واسعة، وطرقات لم تُفتح بعد.
من دون توافر هذه الشروط، تصبح العودة قرارًا فرديًا مكلفًا، يتحمل المواطن وحده تبعاته إذا انهار الهدوء أو تبدلت المعادلة الميدانية. ولعلّ تجربة الأشهر الماضية جعلت هذا الحذر مفهومًا. فقد اعتاد الناس أن يسمعوا عن تهدئة ثم يستيقظوا على ضربة، أو يطمئنوا إلى اتفاق ثم تلاحقهم المسيّرات. لذلك، لا يكفي أن يقال لهم إن الحرب توقفت. المطلوب أن يشعروا بأن الدولة قادرة على حمايتهم، وأن العودة ليست اختبارًا شخصيًا لشجاعتهم، إنما حق مضمون بقرار سياسي وأمني واضح.
إسرائيل تمسك بمفتاح التعطيل
في المقابل، تتعامل إسرائيل مع الجنوب من زاوية مختلفة. فهي لا تنظر إلى وقف النار بوصفه نهاية لمسار عسكري يجب أن يفضي تلقائيًا إلى الانسحاب، إنما بوصفه مرحلة يمكن خلالها تثبيت شروط أمنية جديدة. هذا ما يظهر في الإصرار الإسرائيلي على البقاء في مناطق جنوبية، وفي الحديث المتكرر عن حرية الحركة والرد عند الحاجة، وكأنها تريد أن تقول إنها وحدها من يحدد متى وكيف تسمح بعودة اللبنانيين إلى أراضيهم.
هذا المنطق يتجاوز فكرة الوجود العسكري المؤقت. إسرائيل تربط عودة اللبنانيين بما تصفه بـ"إزالة تهديد
حزب الله "، وتضع "أمن سكان الشمال الإسرائيلي" شرطًا مسبقًا لأي انسحاب. بمعنى آخر، ما دامت إسرائيل هي من تُعرّف التهديد وتُحدد متى ينتهي، فإن قرار العودة
اللبنانية سيبقى رهينة تقدير إسرائيلي لا اتفاقًا دوليًا ثنائيًا. ولا تغيّر من هذه المعادلة حقيقةُ أن الشمال الإسرائيلي نفسه يعاني من تردد سكانه في العودة.
هنا تتبدل وظيفة المفاوضات اللبنانية كليًا. ليس المطلوب فقط تثبيت الهدوء أو وقف الخروقات، وإن كان ذلك ضروريًا، بل المطلوب انتزاع قرار العودة من يد
الاحتلال وإعادته إلى
الدولة اللبنانية . لهذا، لا يكفي أن يطالب
لبنان بوقف الخروقات أو بتثبيت التهدئة. المطلوب أن تتحول العودة إلى بند سياسي أساسي في أي تفاوض، وأن يرتبط أي حديث عن الأمن بثلاثة عناصر واضحة: الانسحاب الإسرائيلي، انتشار الدولة، وعودة الأهالي.
الخلاصة أن الجنوب لا ينتظر فقط توقف النار، بل ينتظر استعادة القرار. فالحرب لا تنتهي حين تصمت المدافع وحدها، بل حين يصبح الناس قادرين على العودة من دون إذن غير مباشر من الاحتلال، ومن دون خوف من ضربة جديدة، ومن دون شعور بأن قراهم تحولت إلى منطقة مؤجلة. عندها فقط يمكن القول إن وقف النار فتح طريق العودة، لا أنه وضعها في غرفة انتظار جديدة.