آخر الأخبار

لبنان وإسرائيل والحزب عالقون في عنق الزجاجة!

شارك

في ظلّ التطوّرات على الصعيدين المحلّي والإقليمي، من الواضح أنّ كلًا من لبنان وإسرائيل و" حزب الله " عالقون في عنق الزجاجة، حيث لم يعد من المُمكن التقدّم إلى الأمام لفرض أي أمر واقع جديد، ولا التراجع إلى الخلف للتوصّل إلى حلّ. وهذا المأزق الحرج يشمل أيضًا كلًا من الولايات المتحدة الأميركية و الجمهورية الإسلامية الإيرانية . ماذا في التفاصيل؟

بالنسبة إلى أميركا فهي لم تعد قادرة على تحميل دول المنطقة والعالم أجمع تكاليف وانعكاسات أي جولة جديدة من المواجهات العسكرية مع إيران، وفي الوقت نفسه هي عاجزة عن إبرام أي اتفاق للخروج من الأزمة. من هنا، من الواضح أنّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي فقد في المرحلة الأخيرة مصداقيته جراء الخطابات المُتناقضة، وهيبته جراء التهديدات المُتكرّرة غير المُنفّذة، يسعى جاهدًا للخروج من الواقع الحالي، لكن ليس بأي ثمن. فهو يريد وقف الحرب بين واشنطن و طهران اليوم وليس غدًا، لكن بشرط أن يتمّ ذلك عبر تسوية تتيح له القول إنّه لم يتسبّب بكل هذا الثمن الاقتصادي للأميركيّين والعالم، هباءً، بل تمكّن من انتزاع تنازلات مهمّة من القيادة الإيرانية. فأيّ مذكرة تفاهم لا تتضمّن حدًا أدنى من البنود المفيدة على صعيدي الملف النووي واليورانيوم المُخزَّن تُشكّل فشلًا ذريعًا للإدارة الأميركية، بعد أن كانت لائحة المطالب في بداية الصراع تشمل لائحة طويلة، من ضمنها مصير الصواريخ الباليستية، والجماعات المُسلّحة الإيرانية الهَوى.

بالانتقال إلى إيران، فهي لم تعد بدورها قادرة على تحمّل كلفة الحصار المفروض على موانئها، إذ إنّ التدهور الداخلي اقتصاديًا وماليًا بلغ مرحلة متقدّمة جدًا، وحاجة طهران إلى المال لإطلاق ورشة إعادة الإعمار كبيرة. والأخطر من ذلك، إنّ استمرار وقف استخراج النفط من الآبار لفترة إضافية بفعل الحصار الأميركي، سيؤدّي إلى أضرار جيولوجية وتقنية كارثية، تشمل فقدان ضغط التدفّق الطبيعي للمشتقات النفطية، وتراكم الأملاح وتصلّب الرواسب الكيميائية في الأنابيب بما يقود إلى انسدادها تدريجًا، وتسرّب المياه الجوفية إلى داخل المكمن النفطي، الأمر الذي يُغرق الآبار ويُفسد الاحتياطات. وإيران الراغبة بالتخلّص من هذا الواقع الضاغط، تكتفي ببعض المناوشات الأمنية، والمناورة سياسيًا لكسب الوقت والتهرّب من الالتزامات المَطلوبة منها، بدون تقديم تنازلات قاسية في المفاوضات التي ترعاها باكستان ، خشية فقدانها لأوراق قوّتها، وانهيار سردية مواجهة المحور الأميركي التي بنت عليها نُفوذها السياسي في الإقليم منذ نحو خمسة عُقود حتى اليوم.

لبنانيًا، الوضع العام ليس أفضل، فالحرب المَفتوحة أنهكت الشعب اللبناني، ووضعت السُلطة السياسية في موقف مُحرج جدًا، لجهة العجز عن حماية لبنان وعن الخروج من دوّامة العنف القائمة حاليًا. وفي حين يتطلّع لبنان الرسمي إلى وقف الحرب فورًا، حقنًا للدماء وإنقاذاً لما يُمكن إنقاذه، إلا أن قرار وقف القتال ليس بيده، والأصعب أنّ قدرته على سحب سلاح "حزب الله" محدودة، ومن شأن أي خطوات مُتسرّعة في هذا المجال أن تُعرّض استقرار لبنان برمّته لخطر شديد، علمًا أنّ إسرائيل لا تُسهّل المهمة على الإطلاق بإصرارها على إبقاء احتلالها ومواصلة اعتداءاتها وانتهاكاتها لوقف النار. وبذلك، باتت السُلطة عالقة بين الفشل في حماية الشعب اللبناني، والفشل في تغيير الواقع الميداني القائم.

في ما خصّ الجانب الإسرائيلي، فهو بدوره لم يعد قادرًا على تمديد حال الاستنزاف التي تتعرّض لها قوّاته في لبنان، لكنّه عاجز عن الانسحاب من دون مكاسب، بعد أن كان وعد بتحقيق الأمن الدائم لسكان المستوطنات الشمالية. و الجيش الإسرائيلي القادر على التقدّم الميداني أكثر في لبنان، ولو بوتيرة بطيئة وبكلفة عالية، لا يريد القيام بذلك على نطاق واسع، لأنّ احتلال أي بقع جغرافية جديدة في الجنوب أو البقاع الغربي لا يُغيّر شيئًا في الواقع القائم على الأرض حاليًا، ولا يحدّ كثيرًا من قدرة "حزب الله" على مواصلة القتال. لذلك، يكتفي الجيش الإسرائيلي بعمليات هجومية محدودة في المكان والزمان لضرورات لوجستية وتكتيكية، ويُعوّل على أن يُثمر الضغط الحربي الذي يُمارسه تغييرًا في أسلوب تعاطي السُلطة اللبنانية مع "الحزب". وهو يُحاول حاليًا رفع مستوى المواجهة من خلال العودة إلى استهداف الضاحية الجنوبية، وتشديد الهجمات على النبطية و صور وغيرهما.

أمّا المعني الأهم بالوضع الراهن في لبنان، أي "حزب الله" فهو عاجز عن الموافقة على الشروط الإسرائيلية لوقف النار، لجهة التوقف عن هجماته في مقابل احتفاظ إسرائيل بحريّة الحركة العسكرية، وعدم الانسحاب من الجنوب. وفي الوقت نفسه، فإنّ مواصلة "الحزب" هجماته على قوّات الاحتلال، يستجلب ردودًا واسعة النطاق من الجانب الإسرائيلي توقع المزيد من الضحايا والدمار، إذ باتت كلفة الخسائر باهظة جدًا إلى درجة أنّ عمليّة إعادة الإعمار صارت تتطلّب تمويلًا ضخمًا قد لا يتوفّر إلا بعد سنوات طويلة وربما بعد عُقود، حتى لو انسحب الإسرائيليّون! على الرغم من ذلك، لا يمكن أن يقبل "الحزب" بالشروط التي خرجت بها مفاوضات واشنطن بين لبنان وإسرائيل، لأنّها تضرب أسس عقيدته من أساسها على مختلف المستويات. في المقابل، إنّ شعار "نحمي ونبني" الذي لطالما تغنّى به "حزب الله" صار بحكم الساقط عمليًا، لأنّ القدرة على ردع الاعتداءات الإسرائيلية باتت من الماضي، شأنها شأن وعود البناء، بفعل التوحّش الإسرائيلي في القتل والتدمير والتسبّب بالتهجير والنزوح، ومواصلة هدم المباني والمنازل في الوقت الذي لا يزال فيه الركام العائد لآلاف الوحدات السكانية مُكدّسًا على الأرض منذ أكثر من سنتين!

في الخلاصة، الوضع صعب على الجميع، في ظلّ عجز كل أفرقاء المواجهة عن إحداث تحوّل ميداني على الأرض. وبالتالي، لا مجال للخروج من المأزق الحالي، من دون حصول تنازل سياسي مهم من أحد الأفرقاء، لأنّ البديل هو المزيد من جولات القتال، محليًا وربما إقليميًا.

النشرة المصدر: النشرة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا