لم يكن إعلان الرئيس الأميركي
دونالد ترمب عن الاتفاق المتصل بلبنان نهاية الأزمة، بقدر ما كان بداية اختبار جديد لها. فبعد ساعات من الترقب والتهديدات
الإسرائيلية بتوسيع دائرة الاستهداف، دخل التفاهم حيّز التنفيذ، لينتقل المشهد من انتظار الضربة إلى مراقبة حدود الاتفاق، ومن سؤال القدرة على منع التصعيد إلى سؤال أكثر حساسية: كيف يُترجم الاتفاق على الأرض، وأين تقف حدوده، وهل يشمل الجنوب كما يشمل العاصمة ومحيطها؟
تبدو أهمية الاتفاق في أنه خفّف خطرًا مباشرًا كان يهدد بتوسيع رقعة الحرب، وأعاد إدخال
واشنطن بقوة إلى موقع الضامن السياسي للمسار. غير أن هذه الأهمية لا تكفي وحدها لاعتبار أن
لبنان دخل مرحلة وقف نار فعلي. فالمعيار الحاسم يبقى في الجنوب، ذلك أن أي تفاهم لا يوقف الاعتداءات على القرى الحدودية، ولا يضع حدًا للغارات والتوغلات والاحتلال، سيبقى أقرب إلى هدنة جزئية منه إلى وقف نار كامل، مهما بدت صياغته الأميركية واسعة أو مطمئنة.
بهذا المعنى، دخل لبنان مرحلة أكثر دقة من مرحلة ما قبل الإعلان. فالخطر لم يعد محصورًا بانفجار الحرب على نطاق واسع، بل بات مرتبطًا بإمكان تحويل الاتفاق إلى صيغة ملتبسة: تهدئة تمنع استهداف
بيروت والضاحية، لكنها تترك الجنوب في دائرة الضغط اليومي. ومن هنا، يصبح الامتحان الحقيقي في الأيام المقبلة: هل ينجح لبنان في تثبيت وقف نار شامل، أم يجد نفسه أمام تفاهم يخفف الخطر الكبير ويُبقي أسباب الانفجار قائمة؟
من الإعلان إلى الضمانات
أهمية اتفاق ترمب أنه أوقف، في لحظة شديدة الحساسية، اندفاعة إسرائيلية كانت تهدد بإعادة بيروت والضاحية إلى دائرة الاستهداف المباشر. وهذا بحد ذاته تطور لا يمكن التقليل من شأنه، خصوصًا أن لبنان كان خلال الساعات السابقة أمام احتمال انزلاق سريع نحو مواجهة أوسع، مع ما يعنيه ذلك من نزوح جديد، وضغط داخلي، وارتباك سياسي وأمني. لكن الاتفاق، في المقابل، لا يُقاس فقط بما منعه في الساعات الأولى، إنما بما يستطيع أن يضمنه بعد ذلك.
فالمشكلة
اللبنانية مع أي وقف نار لا تتعلق بالنصوص وحدها، إنما بآليات التنفيذ، حيث أظهرت التجربة الماضية أن
إسرائيل تتعامل مع التفاهمات وفق قراءة واسعة جدًا لمفهوم "الدفاع عن النفس"، بحيث تصبح أي حركة، أو أي تقدير استخباري، أو أي ذريعة أمنية سببًا كافيًا لاستئناف
الغارات والاغتيالات والتوغلات. لذلك، فإن الخطر الأكبر لا يكمن في انهيار الاتفاق فورًا، إنما في بقائه قائمًا سياسيًا، بالتزامن مع استمراره هشًا ميدانيًا.
ولهذا السبب، تبدو مهمة لبنان في المرحلة المقبلة دقيقة ومعقدة. فالمطلوب ليس الاكتفاء بتسجيل أن واشنطن ضغطت على إسرائيل ومنعتها من ضرب بيروت، بل تحويل هذا الضغط إلى ضمانة دائمة تشمل الجنوب أيضًا. أما إذا بقيت الضمانة محصورة بالعاصمة والضاحية، فإن إسرائيل تكون قد حصلت عمليًا على معادلة مريحة: لا حرب شاملة، ولا قيد فعليا على حركتها جنوبًا. وهذه هي النقطة التي ينبغي أن يتحسب لها لبنان في المفاوضات الجارية.
الدولة أمام امتحان الترجمة السياسية
في المقابل، لا تستطيع الدولة اللبنانية أن تتعامل مع الاتفاق كإنجاز مكتمل، حتى لو بدا أنه أزاح خطرًا فوريًا. فالمرحلة المقبلة ستضعها أمام امتحان أكبر: كيف تنتقل من القبول بالمقترح الأميركي إلى تثبيت قراءة لبنانية واضحة له؟ فإذا كان الاتفاق شاملًا، ينبغي أن ينعكس ذلك وقفًا كاملًا للاعتداءات وانسحابًا من النقاط المحتلة وفتحًا جديًا لملف عودة
النازحين . وإذا كان محدودًا، فعلى الدولة أن تمنع تحوّله إلى قاعدة دائمة تُقسم الأمن اللبناني إلى مناطق مشمولة بالتهدئة وأخرى مفتوحة على النار.
هنا تحديدًا، تظهر حساسية موقع
حزب الله في المعادلة. فالحزب وافق على منطق وقف النار، لكنه يرفض أن تكون الصيغة محصورة بوقف استهداف الضاحية مقابل وقف استهداف
الشمال
الإسرائيلي ، لأن ذلك يترك الجنوب خارج الحماية السياسية. ومن زاوية الدولة، لا يمكن تجاهل هذا الاعتراض، ليس لأن الحزب وحده معني بالجنوب، إنما لأن أي تفاهم لا يشمل الجنوب سيظهر كأنه قبول رسمي بسيادة منقوصة، حتى لو جرى تسويقه كخطوة أولى على طريق اتفاق أوسع.
أما إسرائيل، فتسعى إلى استثمار اللحظة بصورة مختلفة. فهي تريد أن تحافظ على هامش عسكري في الجنوب، وأن تحوّل الاتفاق إلى أداة ضغط على لبنان في ملف السلاح والترتيبات الأمنية والانتشار الميداني. وإذا نجحت في ذلك، فإنها تكون قد بدلت شكل الحرب لا مضمونها: خفضت خطر التصعيد مع بيروت، واحتفظت بقدرة التحكم بإيقاع الجنوب، وربطت أي انسحاب أو تهدئة شاملة بشروط سياسية وأمنية لاحقة.
دخل اتفاق ترمب حيّز التنفيذ، لكن هذا لا يعني أن لبنان دخل مرحلة الاستقرار. الفارق كبير بين وقف نار يُترجم على الأرض، ووقف نار يُستخدم كعنوان سياسي فيما تبقى تفاصيله مفتوحة على التأويل. لذلك، فإن الأيام المقبلة لن تختبر نيات واشنطن وحدها، ولا مدى
التزام حزب الله فقط، إنما ستختبر قبل ذلك قدرة لبنان على فرض تعريف واضح للاتفاق: هل هو وقف شامل للحرب، أم ترتيب مؤقت يمنع استهداف بيروت ويؤجل معالجة الجنوب؟