آخر الأخبار

خفايا تهديدات الساعات الماضية المُتبَادلة... وهل ستُعاد الكَرَّة؟

شارك

أسئلة كثيرة طُرحَت خلال اليومين الماضيين في ما خصّ التهديدات ال إسرائيل ية بضرب بيروت ، ومدى جِدّية التهديدات ال إيران ية التي تلتها، وخلفيّة "فيتو" الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي جمّد انفجار الوضع برمّته. فما الذي حصل بالتفصيل، وهل يُمكن أن تُعاد الكَرَّة من جديد؟

أوّلًا: الأكيد أنّ الجيش الإسرائيلي كان عازمًا على ضرب الكثير من الأهداف في الضاحية الجنوبية ، وحتى على الإغارة على شقق مُحدّدة داخل بيروت وعلى مبانٍ في البقاع ، وهي كلّها مواقع تعمل المُسيّرات الإسرائيلية منذ أسابيع عدّة على تصويرها، وتحديدها كأهداف لضربات مُستقبلية. وما جرى إعداده إسرائيليًا كان عبارة عن موجات متتالية من الغارات العنيفة، وليس موجة واحدة يتيمة.

ثانيًا: نعم، التهديدات التي أطلقها الجانب الإيراني بوقف كل أشكال التواصل مع الجانب الأميركي، وبالتدخّل عسكريًا، عبر توجيه صواريخ على إسرائيل كانت جِدّية ولم تكن من باب المُناورة. وقد جرى رصد استعدادات ميدانية واسعة في هذا السياق في أكثر من موقع في إيران، بموازاة تقارير عن استعدادات مماثلة من جانب جماعة " أنصار الله " في اليمن. وهذا الأمر يدلّ على أنّ معادلات " حزب الله " السابقة، بضرب القدس وتل أبيب، في حال تمادي إسرائيل بضرب الضاحية وبيروت لم تعد قائمة ولا قادرة على توفير الحماية للبنان، الأمر الذي استوجب مُسارعة إيران والقوى الحليفة لها إلى التدخّل لسدّ هذه الثغرة. ومن الواضح أنّ إيران عازمة من خلال تصرّفها المَذكور على إبقاء ورقة "الحزب" بيدها، وهي تُحاول حاليًا، وستُحاول جاهدة في المُستقبل أيضًا، منع إضعاف قدراته العسكرية وهيبته المعنوية أكثر.

ثالثًا: التهديدات الإيرانية الجِدّية لم تُخِف القيادة الإسرائيلية بل أقلقت القيادة الأميركية! فرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ، الذي تُشكّل الحروب الأوكسجين الذي يُبقيه حيًّا – إذا جاز التعبير، كان يتمنّى أن تقوم إيران بضرب إسرائيل مُجدّدًا، لأنّه كان عازمًا على الردّ فورًا عليها بموجة غارات واسعة داخل الأراضي الإيرانية ضِدّ أهداف كان جرى اختيارها مُسبقًا، مع السعي كذلك إلى إنجاح عمليّات اغتيال مرسومة وتطال قيادات إيرانية عدّة.

رابعًا: الولايات المتحدة الأميركية أدركت تمامًا أنّ تنفيذ إسرائيل تهديداتها ضِدّ بيروت، ومن ثمّ تنفيذ إيران تهديداتها ضِدّ إسرائيل، سيتسبّب تلقائيًا بانهيار وقف النار الأميركي–الإيراني برمّته. فالمعادلة واضحة، قصف إسرائيل لبيروت سيستجلب ردًا إيرانيًا على الداخل الإسرائيلي، الأمر الذي سيؤدّي بدوره إلى غارات إسرائيلية في العمق الإيراني، ومن ثم ردود إيرانية في غير اتجاه تشمل إسرائيل ودول الخليج، أي انفجار الوضع على نطاق واسع، والعودة إلى نقطة الصفر على مستوى المنطقة ككلّ، في توقيت ليس بيد واشنطن، وفي مسار حربي تُحاول جاهدة تجنّبه منذ أكثر من شهرين.

خامسًا: السُلطة الرسمية في لبنان حاولت التدخّل بقدر ما تتمتّع به من تأثير محدود، بحيث عملت على التسويق لوقف شامل للنار. لكنّ ما جرى طرحه عليها عبر القنوات الأميركية، ومن ثم نقله إلى "حزب الله" من خلال رئيس مجلس النواب نبيه برّي ، كان عبارة عن وقف جزئي، يقضي بوقف الغارات التي أعدّتها إسرائيل ضِدّ الضاحية وغيرها من المناطق، في مقابل وقف استهداف المستوطنات الشمالية ومختلف المستعمرات في إسرائيل، مع احتفاظ إسرائيل بحق التحرّك العسكري في الجنوب وفق ما تراه مناسبًا. ولم يتردّد "الحزب" في رفض هذا الطرح في مهده، لأنّه يُخفي في طيّاته العودة إلى وضعيّة شبيهة بتلك التي كانت قائمة بعد توقيع اتفاق "وقف الأعمال العدائية" في 27 تشرين الثاني 2024. إشارة إلى أنّ "حزب الله" المُنهك مُستعدّ للموافقة على وقف للنار، بشرط أن يكون شاملًا ويُنهي كامل العمليات العسكرية الإسرائيلية، لأنّه يتأمّل أن ينصّ أي اتفاق أميركي مُستقبلي مع إيران على انسحاب الإسرائيليّين من المناطق الجنوبية المُحتلّة. في المقابل، ترفض إسرائيل أن تُنتزع من يدها ورقة حرّية العمل العسكري كلّما دعت الحاجة، وهي تُصرّ على أن يُضمَّن هذا الشرط أي وقف للنار!

سادسًا: إنّ نجاح إيران في الإمساك بالورقة اللبنانية بشكل مُحكم، وغضّ واشنطن الطرف عن ذلك، أضعف موقع السُلطة الرسمية في لبنان بشكل متزايد، بحيث صار دور هذه الأخيرة عبارة عن صندوق بريد لنقل الرسائل المتبادلة، من دون القُدرة على التأثير إيجابًا أو سلبًا. وهذا الأمر انعكس سلبًا على أوراق الوفد اللبناني إلى الجولة الرابعة من المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية في واشنطن، والتي انعقدت في ظلّ ظروف أمنية وسياسية ضاغطة، عقب جولة تفاوض غير مثمرة أيضًا لوفدين عسكريّين من البلدين! وبالتالي، صارت ورقة سلاح "حزب الله" مَمسوكة كليًا في طهران وليس في بيروت.

في الخلاصة، صحيح أنّ موازين القوى المحلّية والإقليميّة والدَوليّة أفرزت وقائع ميدانية مُحدّدة، ورسمت المزيد من الخطوط الحُمر على الساحة اللبنانية، لكنّ الأصحّ أن لا شيء يحول دون تدهور الأمور كلّها مرّة أخرى في أي وقت، والوصول إلى مرحلة الحرب المفتوحة، إن في لبنان أو في المنطقة. فالمفاوضات الإقليميّة-الدَوليّة بما تحمله من ضُغوط ومن تبادل للرسائل السياسيّة، ومن عمليّات شدّ حبال على البارد-إذا جاز التعبير، يُمكن أن تتحوّل في المستقبل القريب، إلى ضُغوط وتبادل للرسائل الأمنيّة، وإلى عمليّات شدّ حبال على الساخن، أي إلى أعمال عسكرية واسعة النطاق، كما حصل أكثر من مرّة في السابق. وبالتالي، ما لم تنجح مفاوضات الوفد اللبناني في واشنطن، والضُغوط والاتصالات القائمة حاليًا على أكثر من صعيد، في تثبيت وقف النار وتعميم نطاقه، فإنّ التصعيد الأمني المُستمرّ في الجنوب والبقاع الغربي مُرشّح للاستمرار في المدى المنظور، وربما للتوسّع مُجدّدًا في المُستقبل، في انتظار وُضوح نتائج المفاوضات الأميركية-الإيرانية.

النشرة المصدر: النشرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا