لا تبدو واشنطن معنية اليوم بوقف الحروب في المنطقة بقدر ما تبدو معنية بإدارة ما يليها. فمنذ بدأت النقاشات حول "اليوم التالي" في ذروة التوترات الميدانية، بدا واضحًا أنها لا تتعامل مع هذه الحروب بوصفها أزمات تحتاج إلى وقف إطلاق نار فقط، لأنها ترى فيها فرصًا لإعادة ترتيب قواعد النفوذ والسلطة والسلاح في ساحات خرجت من المواجهة منهكة ومفتوحة على احتمالات متعددة.
فمن غزة إلى لبنان ، تبدو اللغة المستخدمة في المقترحات السياسية والأمنية متشابهةً إلى حد بعيد: وقف إطلاق نار، انسحاب تدريجي، حصر للسلاح، آليات تحقق، إدارة انتقالية أو رقابة دولية، ثم إعمار مشروط بمدى التقدم في المسار الأمني. ويأتي هذا التشابه على الرغم من أنّ المقارنة غير مستقيمة، فغزة مساحة محاصرة ومدمرة، فيما لبنان دولة قائمة، بجيش ومؤسسات وحدود معترف بها، رغم كل مظاهر الضعف والانقسام.
ومع ذلك، فإن التشابه لا يكمن في طبيعة الساحتين بقدر ما يظهر في طريقة المقاربة الأميركية-الإسرائيلية لما بعد الحرب: لا انسحاب كاملًا من دون ترتيبات أمنية، ولا إعادة إعمار من دون ضبط السلاح، ولا تثبيتًا للهدوء من دون هندسة سياسية جديدة، وهو ما يوحي بوجود نموذج واحد تحاول الإدارة الأميركية تطبيقه في كل من غزة ولبنان، بدعم إسرائيلي واضح، ولو اختلفت الظروف وتباينت المسارات.
من هنا، يصبح السؤال الأساسي: هل تتعامل واشنطن مع غزة ولبنان كملفين منفصلين، أم تسعى إلى بناء نموذج واحد يمكن تطبيقه، مع تعديلات، في أكثر من ساحة؟ وإذا كان الأمر كذلك، فأين تقع حدود هذا النموذج؟ وهل يستطيع لبنان أن يمنع استيراد وصفة غزة إلى جنوبه ومؤسساته، أم يجد نفسه تدريجيًّا أمام معادلة مشابهة: الانسحاب مقابل السلاح، والإعمار مقابل الترتيبات الأمنية، والسيادة مقابل الضمانات؟
نموذج غزة: الإعمار تحت سقف الأمن
في غزة، تكشف المقترحات المتداولة عن اتجاه واضح نحو ربط المرحلة التالية من وقف إطلاق النار بسلسلة شروط أمنية وسياسية. فالكلام لم يعد يقتصر على وقف العمليات أو تبادل الأسرى، إذ تجاوز ذلك إلى شكل الإدارة المقبلة، ومصير السلاح، وطبيعة القوة التي ستشرف على المناطق التي تنسحب منها إسرائيل، وطريقة إدخال مواد الإعمار.
يقوم هذا المنطق على قاعدة بسيطة: لا إعمار شاملًا قبل ضمان البيئة الأمنية التي تريدها إسرائيل وتدعمها واشنطن. ولا انسحاب كاملًا قبل تحقق تدريجي من حصر السلاح. ولا عودة طبيعية للحياة قبل قيام إدارة قادرة على ضبط الأرض ومنع عودة المواجهة. بهذا المعنى، تتحول إعادة الإعمار من حق إنساني وسياسي إلى أداة ضغط، وتتحول عودة السكان إلى ورقة مرتبطة بمدى قبول القوى الفلسطينية بالشروط الموضوعة للمرحلة المقبلة.
هذا النموذج لا يقدّم نهاية واضحة للحرب بقدر ما يؤسس لمرحلة إدارة طويلة لما بعدها. فبدل أن يكون الانسحاب الإسرائيلي نتيجة طبيعية لوقف النار، يصبح مسارًا مشروطًا ومقسّمًا إلى مراحل. وبدل أن يكون الإعمار التزامًا تجاه مجتمع دمّرته الحرب، يصبح مكافأة مرتبطة بتقدم أمني قابل للقياس. هنا تكمن خطورة النموذج، لأنه لا ينهي الصراع، لكنه يعيد تنظيمه تحت سقف رقابة دولية وإسرائيلية غير مباشرة.
لبنان أمام معادلة مشابهة
في لبنان، تبدو الصورة مختلفة في الشكل، لكنها تقترب في المضمون. فلبنان يذهب إلى أي مسار تفاوضي واضعًا أولويات واضحة: وقف إطلاق النار بصورة ثابتة، وقف الاعتداءات، انسحاب إسرائيل من النقاط التي تحتلها، إطلاق الأسرى، وعودة الأهالي إلى القرى الحدودية. هذه مطالب يفترض أن تكون بديهية في أي تفاوض بين دولة تتعرض أراضيها للانتهاك ودولة تحتل نقاطًا داخل حدودها.
إلا أن إسرائيل تحاول نقل النقاش من هذا المستوى إلى مستوى آخر. فهي لا تريد بحث الانسحاب والهدوء كاستحقاق مستقل، إنما تربطهما بملف " حزب الله " وسلاحه، وبإعادة تشكيل الواقع الأمني على الحدود. أما واشنطن، فتتحرك بين هذين السقفين: من جهة، تريد منع الانفجار الواسع وتثبيت حد أدنى من الاستقرار؛ ومن جهة أخرى، لا تفصل ذلك عن هدف أوسع يتصل بتقليص نفوذ “حزب الله” وترتيب جنوب لبنان وفق قواعد أمنية جديدة.
هنا يظهر التشابه مع غزة، فالسؤال في لبنان لم يعد حول فكرة انسحاب إسرائيل بحدّ ذاتها، بقدر ما يتمحور حول "ثمن" هذا الانسحاب، باعتبار أن الاحتلال يتحول، في هذه الحالة، إلى ورقة ضغط تفاوضية أكثر منه وضعًا نهائيًا. هكذا، لم يعد وقف النار نهاية للمواجهة، إنما مدخلًا إلى تفاوض أطول حول السلاح، والحدود، والآلية الدولية، ودور الجيش، ومستقبل " اليونيفيل ". وبذلك، فهو يشكّل بداية مرحلة جديدة من الضغط، لا نهاية الحرب بمعناها السياسي الكامل.
لبنان ليس غزة
لا يعني التشابه في المقاربة أن نموذج غزة قابل للاستنساخ داخل لبنان. فالأخير ليس سلطةً محليةً تبحث عن إدارة انتقالية، ولا منطقةً معزولةً يمكن تسليمها إلى لجنة أو آلية خارجية. هو دولة ذات سيادة، حتى لو كانت سيادتها منقوصة بفعل الانقسام الداخلي والضغط الخارجي والواقع العسكري جنوبًا. وهذه النقطة تحديدًا يجب أن تكون جوهر أي موقف لبناني في المرحلة المقبلة.
الفارق الآخر أن سلاح "حزب الله" ليس مسألة تقنية يمكن وضعها في جدول زمني خارجي فقط، إنما هو ملف داخلي شديد التعقيد، يرتبط بتوازنات طائفية وسياسية، وبشعور جزء من اللبنانيين بأن الدولة وحدها لم تكن قادرةً تاريخيًّا على حماية الحدود. لذلك، فإن طرح هذا الملف تحت ضغط النار والاحتلال لا يسهّل حله، بل يمنح الحزب ذريعة إضافية للرفض، ويدفع الداخل اللبناني إلى مزيد من الانقسام.
لهذا، فإن أي محاولة لاستنساخ نموذج غزة في لبنان ستصطدم بواقع مختلف. ففي غزة، يجري النقاش حول إدارة منطقة بعد حرب مدمرة، أما في لبنان، فالمسألة تتصل بدولة كاملة، وبنظام سياسي هش، وبجيش يحتاج إلى دعم فعلي، وبمجتمع منقسم حول معنى السيادة نفسها. ومن الخطأ التعامل مع هذه العناصر كتفاصيل يمكن تجاوزها عبر ورقة تفاوضية أو ضغط أميركي سريع.
كيف يتحول الحق إلى مكافأة؟
الخطورة الأكبر تكمن في أن يتحول الانسحاب الإسرائيلي من حق بديهي إلى مكافأة مشروطة. فحين يصبح انسحاب إسرائيل من أراضٍ لبنانية مرتبطًا بتفاهمات أمنية طويلة، يصبح الاحتلال ورقة تفاوض لا انتهاكًا يجب إنهاؤه. وحين يصبح وقف إطلاق النار مشروطًا بإعادة ترتيب الداخل اللبناني، تصبح السيادة نفسها موضوعًا قابلًا للمساومة.
هذا لا يعني أن لبنان يستطيع تجاهل ملف السلاح أو تأجيله إلى ما لا نهاية. العكس هو الصحيح، إذ لا يمكن لأي دولة أن تستعيد عافيتها ما دامت قرارات الحرب والسلم موزعةً بين المؤسسات والقوى المسلحة. لكن السؤال هو في ترتيب الأولويات: هل يبدأ المسار بوقف الاعتداءات والانسحاب وعودة الاستقرار، ثم فتح نقاش داخلي جدي حول استراتيجية دفاعية، أم يُطلب من لبنان أن يعالج أعقد ملفاته الداخلية فيما لا تزال إسرائيل تستخدم النار والاحتلال وسيلة ضغط؟
إذا اختارت واشنطن النموذج الثاني، فإنها لا تساعد الدولة اللبنانية على استعادة سلطتها، إنما تضعها في مواجهة داخلية مبكرة. وإذا اختارت إسرائيل تحويل الانسحاب إلى أداة ابتزاز، فإنها تدفع جزءًا من اللبنانيين إلى التمسك أكثر بمنطق السلاح. أما إذا أُريد فعلًا فتح مسار مختلف، فيجب أن يبدأ من قاعدة واضحة: لا يمكن بناء دولة تحت القصف، ولا يمكن معالجة السلاح تحت الاحتلال، ولا يمكن تحويل السيادة إلى بند مؤجل في تفاوض مفتوح.
إدارة دائمة للأزمة؟
ما يجري بين غزة ولبنان يكشف أن المنطقة تدخل عمليًا مرحلة إدارة الحرب بأدوات سياسية وأمنية جديدة. فالمعارك قد تهدأ، والغارات قد تتراجع، والمفاوضات قد تتقدم، لكن الأسئلة الكبرى تبقى معلقةً: من يملك القرار؟ من يضبط السلاح؟ من يدير الأرض؟ ومن يحدد شروط الإعمار والعودة والاستقرار؟
في هذا السياق، تبدو واشنطن كمن يحاول بناء نموذج قابل للتعميم: وقف نار لا ينهي الصراع، انسحاب لا يتم دفعةً واحدةً، إعمار لا ينطلق من دون شروط، وأمن لا يُترك للقوى المحلية وحدها. غير أن نجاح هذا النموذج في غزة، إن حصل، لا يعني صلاحيته للبنان، فاستيراد الحلول الجاهزة إلى ساحات مختلفة قد ينتج أزمات جديدة بدل إطفاء الأزمات القديمة.
يحتاج لبنان إلى مسار يحمي حقه أولًا، ثم يفتح نقاشه الداخلي من موقع أقل هشاشةً. يحتاج إلى وقف إطلاق نار ثابت، وانسحاب كامل، وضمانات واضحة، ودعم جدي للجيش، ومقاربة داخلية هادئة لملف السلاح. أما تحويل كل هذه العناصر إلى سلّة واحدة، تُربط فيها الحقوق اللبنانية بالتنازلات الداخلية، فلن ينتج سوى هدنة قلقة قابلة للانفجار عند أول اختبار.
في النهاية، قد يكون السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت واشنطن تصنع نموذجًا واحدًا من غزة إلى لبنان، ولكن ما إذا كان لبنان قادرًا على منع تحويل هذا النموذج إلى قدر سياسي مفروض عليه. فبين وقف النار والتسوية مسافة طويلة، وبين الانسحاب والسيادة مسافة أطول. وإذا لم يملأ لبنان هذه المسافة برؤية وطنية واضحة، فقد يجد نفسه أمام مرحلة لا تنتهي فيها الحرب، ولو تغيّرت أدوات إدارتها.
المصدر:
النشرة