آخر الأخبار

لنغتسلْ روحيًّا ونُبصر

شارك

نتوقَّف غدًا الأحد في المحطَّة «المائيَّة» الثالثة مع أحد أعمى بركة سلوان، في مسيرتنا العنصرانيَّة لبلوغ أحد العنصرة الَّذي نقيم فيه تذكار نزول الروح القدس على التلاميذ. ونقول «مائيَّة» لارتباط الماء بالروح القدس، فيكون أحد العنصرة يوم ولادتنا الجديدة إن جاهدنا بصدق فعلًا وتبنا وطلبناه بتواضع كلِّيٍّ.

يذكر المقطع الإنجيليُّ من يوحنَّا (يو 9: 1-38) أنَّ الربَّ يسوع المسيح التقى بشخص أعمى منذ ولادته، ورأى آباء قدِّيسون مثل يوحنَّا الذهبيِّ الفم أنَّ الأعمى لم يكن أعمى فحسب إنَّما لم يكن لديه مقلتان، ودعموا تفسيرهم بما يقوله الإنجيل بأنَّ يسوع تفل على الأرض وصنع من التفل طينًا، وطلى بالطين عيني الأعمى (يو 9: 6). تضع الآية أمامنا خلق الله للإنسان: «وجبَلَ الربُّ الإلهُ آدمَ ترابًا من الأرض، ونفخَ في أنفه نسمة حياة. فصار آدم نَفْسًا حيَّة» (تكوين 2: 7).

لا عجب إطلاقًا في ذلك، فيسوع هو الربُّ المتجسِّد، وكلُّ أعماله تشير إلى ألوهته، فهو شفى مرضى وفتح عيون عميان وأقام موتى لمجرَّد أن لمسهم. وعمليَّة قدرته على الخلق ظهرت بقوَّة في إقامته للعازر الَّذي كان قد أنتن لبقائه أربعة أيَّام في القبر وبدأ بالاهتراء والتحلُّل، أي أنَّ يسوع لم يقمه فحسب بل أعاد جبله - خلقه - من جديد.

بالعودة إلى شفاء الأعمى نلاحظ أنَّ يسوع طلب منه أن يذهب ويغتسل في بركة سلوام بعد أن طلى عينيه بالطين، فعمل الأعمى بطلب يسوع وعاد بصيرًا. ترى لماذا يسوع لم يشفه على الفور كعادته بل طلب منه أن يذهب ويغتسل؟

الجواب يحمل بعدين:

الأوَّل، أراد الربُّ أن يصغي الأعمى لكلامه ويعمل به، فيقبل النعمة الإلهيَّة بحرِّيَّته ويكون مشاركًا بها. هذا تمامًا ما يطلبه منَّا الربُّ، صحيح أنَّ نعمه مجَّانيَّة إلَّا أنَّه يريدنا أن نعمل معه بملء حرِّيَّتنا. وخير تعبير عن المشاركة هو كلمة συνεργία - synergie اليونانيَّة المركَّبة من σύν (sýn) = «مع، معًا» و ἔργον (érgon) = «عمل، فعل، إنجاز» فيكون المعنى بالكامل كلمة «التآزر» مع العلم أن الرب هو الفاعل. يسوع يريدنا أن نكون مشاركين، لا متفرِّجين.

البعد الثاني هو تاريخيٌّ ومكمِّل لما نقرأه في العهد القديم لبلوغ يسوع المسيح وتدبيره الإلهيِّ. فبركة سلوام الَّتي اسمها يعني «المرسَل» أو «الإرسال» لها دورها ورمزيَّتها. هي البركة الَّتي كان الكهنة اليهود يأخذون منها ماء إلى الهيكل بوعاء ذهبيٍّ طيلة أسبوع عيد المظال بمسيرة صلاة وتسبيح، حوالي 20 دقيقة بفارق ارتفاع حوالي مئة متر ومسافة بين 600 إلى 800م، ينطلقون بها من هيكل أورشليمجبل الهيكل – إليها، ومن ثمَّ يعودون صاعدين إلى الهيكل حيث يسكبون الماء على المذبح مستذكرين عمل الربِّ الخلاصيَّ لهم، الَّذي روى الشعب العبريَّ في الصحراء وخلَّصهم من موت العطش، بعد أن ضرب موسى الصخرة وخرج منها ماء، والصخرة كانت صورة عن المسيح.

كذلك مصدر مياه البركة الَّتي كانت تأتي من نبع « جيحون » بقناة حفرها الملك حزقيَّا قبيل الحصار الأشوريِّ للمدينة، وهو النبع الأساسيُّ الَّذي يغذِّي أورشليم، ودونه لا ماء في المدينة، والماء هو ماء الحياة على الصعيد الأرضيِّ وله أيضًا معنى روحيٌّ مرتبط بالروح القدس كما قال الربُّ: «إنْ عطش أحد فليُقبِلْ إليَّ ويشرب» (يوحنَّا 7: 37).

في الخلاصة، كلمة "جيحون" العبريَّة تعني الفيضان - التدفُّق القويُّ للماء، من الجذر الَّذي يدلُّ على الاندفاع أو الجريان الشديد. في الحروب يقوم العدوُّ المهاجم بقطع المياه عن المدينة ليموت السكَّان من العطش ويستسلمون. فكما النبع خلَّص أورشليم من الحصار الأشوريِّ وجعلهم يصمدون في وجه سنحاريب ، كذلك نحن إن توقَّف الروح القدس عن الجريان في نفوسنا نجفُّ ونموت.

فلنغتسل جميعنا في بركة سلوام الروحيَّة ولتتفتَّح بصيرتنا الروحيَّة على النور الإلهيِّ الَّذي يسكبه الربُّ علينا فنبقى معه أحياء إلى الأبد.

إلى الربِّ نطلب.

مصدر الصورة

النشرة المصدر: النشرة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا