آخر الأخبار

الدعاوى اللبنانية ضد إسرائيل: السياسة تغلب القانون

شارك

يعود الحديث بين الفينة والاخرى، عن رغبة لبنان ية في اللجوء إلى القضاء الدولي لمقاضاة إسرائيل على خلفية الاعتداءات والجرائم التي ارتكبتها في لبنان في الحرب الأخيرة التي لا تزال مستمرة حتى الساعة على الرغم من الإعلان عن وقف اطلاق النار الذي خرقته مراراً وتكراراً. ورغم أن هذا الطرح منطقي من الناحية القانونية، فإن التجارب السابقة و التوازنات السياسية الدولية تدفع إلى التعامل معه بقدر كبير من الحذر والواقعية.

من حيث المبدأ، يملك لبنان ملفات يمكن الاستناد إليها قانونياً، سواء ما يتعلق بالخسائر البشرية او المادية والاقتصادية، أو بالانتهاكات المرتبطة ب القانون الدولي ، لكن المشكلة لا تكمن فقط في إثبات الوقائع، بل في قدرة النظام الدولي على فرض تنفيذ أي قرارات أو تعويضات محتملة. التجربة اللبنانية خصوصاً بعد حرب 2006 تقدم نموذجاً واضحاً على ذلك. فبعد كارثة التسرّب النفطي الناتجة عن قصف المنشآت في الجيّة ، نجح لبنان في انتزاع قرارات وتقارير دولية تثبت مسؤولية إسرائيل وحقه في الحصول على تعويضات. غير أن هذه القرارات بقيت ضمن إطار الإدانة السياسية والأخلاقية، من دون أي آلية عملية تلزم إسرائيل على التنفيذ أو دفع التعويضات . لذلك، تبدو الشكوك اللبنانية الحالية مرتبطة بالتجربة الواقعية أكثر من ارتباطها بالموقف القانوني نفسه.

ما من شك ان العدالة الدولية تعاني من مشكلة في التنفيذ، خصوصاً عندما تكون النزاعات مرتبطة بدول تملك دعماً واسعاً أو تتمتع بحماية سياسية داخل المؤسسات الدولية، وهذا ما يجعل الأحكام والقرارات الأمميّة رهينة التوازنات السياسية ومصالح القوى الكبرى. وقد يكون هناك فائدة أخرى للجوء الى القضاء الدولي بحيث تكون بمثابة تعويض عن عدم القدرة على التنفيذ. فالدول تستخدم أحياناً الملفات القانونية للاحتفاظ بأوراق ضغط يمكن استخدامها لاحقاً في التفاوض أو في المحافل الدولية، فتحمل بالتالي الدعاوى القانونية قيمة سياسية ومعنوية أكبر من قيمتها التنفيذية. هنا نصل الى النقطة المحورية، فالمشهد يصبح أكثر تعقيداً في ظل الحديث عن مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل لانه في العادة، عندما تنتقل الأطراف من المواجهة العسكرية إلى طاولة التفاوض، تتراجع أولوية ملفات المحاسبة القانونية أمام ملفات أكثر إلحاحاً، مثل وقف اطلاق النار وعودة الاهالي وإعادة الإعمار، وهذا بالضبط ما يطالب به لبنان، فيما لم يتم ذكر أي شيء يتعلق بالتعويضات والدعاوى القانونية.

هذا النمط ليس استثنائيًا في العلاقات الدولية. فكثير من النزاعات تبدأ بخطاب تصعيدي قائم على الاتهامات والانتهاكات، ثم تنتقل تدريجياً إلى مقاربات أكثر واقعية تفرضها الوقائع السياسية والأمنية فتفقد الملفات والدعاوى القانونية موقعها المركزي لصالح متطلبات التسوية.

من هنا، يمكن فهم الانقسام في النظرة اللبنانية إلى هذا الملف. فهناك من يرى أن المقاضاة تمثل حقاً سيادياً وأخلاقياً يجب التمسك به مهما كانت فرص النجاح محدودة، فيما يعتبر آخرون أن أي مسار تفاوضي مباشر سيجعل هذه الملفات أقرب إلى المواقف الرمزية منها إلى مشاريع قابلة للتنفيذ الفعلي.

وفي عرض للاحتمالات، تبقى الأمور مفتوحة على أكثر من اتجاه. فإذا نجح المسار الدبلوماسي وتقدمت المفاوضات ، قد ننتقل إلى مرحلة تهدئة طويلة يصبح فيها التركيز على الاستقرار وإعادة الإعمار، وقد تستمر الملفات القانونية كجزء من الخطاب السياسي والدبلوماسي من دون تصعيد فعلي، كما يمكن استخدامها ضمن عملية تفاوض أوسع تتصل بالحدود والترتيبات الأمنية والضمانات، أو تبقى ورقة يتم التلويح بها في حال اهتزاز او فشل المسار الدبلوماسي.

المسألة الأساسية تكمن في انها لا ترتبط فقط بقدرة لبنان القانونية على رفع دعاوى ضد إسرائيل، بل بمدى استعداد المجتمع الدولي لتحويل هذه الدعاوى إلى نتائج ملموسة. وحتى الآن، لا يزال ميزان القوى السياسية هو العامل الأكثر تأثيراً في مسار مثل هذه الملفات...

النشرة المصدر: النشرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا