آخر الأخبار

جُمود غير مَسبوق... لا صوت يَعلو فوق صوت المعركة!

شارك

يشهد لبنان منذ فترة زمنية غير قصيرة جمودًا كبيرًا على الصعيد السياسي، مع بعض الاستثناءات المحدودة، منها مثلًا الحركة التي سبّبها قانون العفو العام، بفعل حساسيّة هذا الموضوع على صعيد الدعم الشعبي الانتخابي بالنسبة إلى العديد من النواب. لكنّ القاعدة التي باتت سائدة تتمثّل في القول الذائع الصيت: لا صوت يعلو فوق صوت المعركة، حيث أنّ عُيون الأفرقاء السياسيّين كلّهم شاخصة على ما ستؤول إليه الأوضاع الإقليميّة والمحليّة عندما تُسدل ستارة الختام على الحرب الأميركية–الإيرانية، وعلى معركة إسرائيل– حزب الله . ماذا في التفاصيل؟

بلدان كثيرة تنتظر نهاية عمليّة شدّ الحبال القائمة منذ أسابيع بين واشنطن و طهران ، لما لهذا الصراع من آثار واسعة النطاق. البعض منها يترقّب النتائج لأسباب إقتصاديّة، كما هي حال العديد من الدول التي شهدت نقصًا في إمداداتها النفطية، ومنها مثلًا جمهورية الصين الشعبيّة. والبعض الآخر لأسباب مرتبطة بالنفوذ الجيو–سياسي، على غرار روسيا الاتحادية التي تخشى تعاظم نفوذ غريمتها أميركا في الشرق الأوسط على حساب الحُضور الروسي السابق في أكثر من ساحة في المنطقة. وبعض البلدان يترقّب المُخرجَات أيضًا لأسباب مرتبطة بالأمن القومي، كما هي حال العديد من الدول الخليجيّة التي طالتها إرتدادات الحرب بشكل مُباشر، بعد استهدافها بالمُسيّرات وبالصواريخ الباليستية والمجنّحة. أمّا لبنان، فينتظر بدوره نهاية هذا الصراع، معطوفًا على ما ستؤول إليه المعارك المُتواصلة بين الجيش الإسرائيلي ومقاتلي "حزب الله" في الجنوب، بفعل التأثير الضخم لهذين الصراعين على لبنان لأسباب عدّة، أبرزها:

على الصعيد الإقليمي، إنّ إسقاط أو تغيير النظام الإيراني يعني إفقاد "حزب الله" الجهة الأساسية التي تدعمه من كل النواحي، الأمر الذي من شأنه إضعافه بشكل كبير، بينما خروج إيران مُنتصرة يعني بقاء هذا الدعم كما كان عليه في السابق من دون تغيير. والسبب أنّ الحزب مرتبط عُضويًا بالقيادة الإيرانية، ولا يُمكن بالتالي فصل مصيره عن مصير هذه القيادة، على الرغم من تمتّعه بهامش مناورة محدود النطاق محليًا. أمّا في حال التوصّل إلى تسوية وسطية، بين واشنطن وطهران، فإنّ بُنود الاتفاق ستُحدّد طبيعة علاقة طهران المسقبليّة مع "الحزب"، لجهة بقاء الدعم أو تراجعه أو قطعه نهائيًا، حيث يمكن لأيّ تسوية محتملة أن تؤمّن مظلّة حماية مُطلقة للحزب، أو على العكس تمامًا، أن تضعه أمام تعهّدات يتوجّب عليه الوفاء بها، لصالح اتفاق إستراتيجي قد تنسجه إيران مع الولايات المتحدة الأميركية . من هنا، لا يُمكن تجاهل الواقع الإقليمي لما له من انعكاسات مباشرة على الساحة اللبنانية، بدءًا بالنفوذ السياسي لمختلف القوى، وُصولًا إلى مصير تمويل "الحزب" ومدّه بالسلاح والذخائر. ولا شكّ أنّ الوضع الراهن، في ما خصّ استمرار محاولات ليّ الذراع المتبادلة بين واشنطن وطهران، يعني حُكمًا غياب الاستقرار المَنشود داخليًا، في انتظار صافرة النهاية. والأكيد أنّ من شأن عودة الجيش الأميركي و الحرس الثوري للتقاتل مُجدّدًا، أن يزيد من حدّة المواجهات العسكرية القائمة في لبنان حاليًا، وأن يُوسّع نطاقها.

على الصعيد المحلّي، إنّ "حزب الله" يُشكّل ثقلًا مهمًا في الداخل اللبناني، إن بفعل نفوذه السياسي والشعبي أو بنتيجة قدراته الأمنية والعسكريّة، الأمر الذي يؤثّر بشكل كبير على التوازنات على مستوى السُلطة في لبنان، ويدفع الكثير من القوى السياسية إلى انتظار نهاية المعركة التي يخوضها مع الجيش الإسرائيلي حاليًا. فكما أنّ التطوّرات الإقليمية ستنعكس حتمًا على واقع "الحزب" المُستقبلي، لجهة التمويل والمدّ بالسلاح ومحاولة تأمين الغطاء السياسي، إنّ نتائج المعركة في الجنوب ستترك آثارها عليه أيضًا. وكلّما زادت مساحة المناطق المُحتلّة أو المدمّرة بالكامل زاد الضغط المعنوي والسياسي عليه.

وفي كلّ الأحوال، لن تكون الوقائع والتوازنات السياسية في لبنان في منأى عمّا يجري في الجنوب وفي الإقليم، الأمر الذي دفع مختلف القوى السياسية إلى التموضع في موقف المُتفرّج في انتظار وضوح الصورة، ليُبنى على الشيء مُقتضاه. فمن السابق لأوانه الدُخول في صراعات مع "الحزب" في المرحلة الراهنة، لأنّ المُستجدات المُتسارعة يُمكن أن تقلب الأمور والتوازنات رأسًا على عقب بسرعة. كما أنّ السُلطة الحالية في لبنان، متأثّرة أكثر من أي وقت مضى ب السياسة الأميركية ، ولا يُمكن بالتالي ألا تتفاعل مع أي استراتيجيّات تُرسم من قبل واشنطن لكامل منطقة الشرق الأوسط. لكن وبغضّ النظر عن الخطط النظرية والمشروعات المرسومة على الورق، إنّ النتائج الميدانية على أرض المعركة في الجنوب، هي التي تُحدّد في نهاية المطاف إمكان تطبيق هذه الخطط والمشروعات من عدمه. والأهمّ ممّا سبق، إنّ مسألة استعادة الدولة لهيبتها ونفوذها على كامل الأراضي اللبنانية، وتطبيق قرارات حصر السلاح بيد قواها الشرعيّة، مرتبط بشكل كامل بمدى قُدرة "حزب الله" على اعتراض هذا القرار، وكذلك بوجود "ضوء أخضر" إقليمي في هذا الصدد من عدمه.

في الخلاصة، صحيح أنّه من الصعب أن يحدث تغيير سياسي جذري في لبنان، لأنّ أيّ فريق لا يستطيع إلغاء الآخرين بشكل كامل–كما أثبتت العديد من التجارب في الماضي، إلا أنّ الأصحّ أنّ هامشَ الحركة والمناورة يسمح بإحداث تغييرات داخلية أساسية، من شأنها أن تترك تداعيات كبرى على الواقع السياسي اللبناني ككلّ. من هنا، لا يُمكن لكلّ من الصراع الإقليمي الراهن، وللمعارك الدائرة مع الإسرائيليّين أيضًا، إلا أن يتركا أثرًا حاسمًا على الوضع اللبناني الداخلي، بمجرّد وُضوح نتائجهما تمامًا.

النشرة المصدر: النشرة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا