اقترب العد العكسي لواقعة المفاوضات بين لبنان و إسرائيل على الأراضي الأميركية بعد جولات تمهيدية جمعت سفراء الدول الثلاث، وسط تسريبات سياسية وإعلامية تؤكد أن الرئاسة اللبنانية تتعامل مع الملف بحذر شديد، سواء على مستوى اللغة المستخدمة أو سقف الأهداف المعلنة. وفي قلب هذا النقاش يبرز سؤالان مترابطان: ما طبيعة المسار المطروح فعلياً؟ وكيف يمكن أن ينعكس على صورة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون داخلياً؟
حتى الآن، يبدو واضحاً أن المقاربة اللبنانية الرسمية تحاول تجنب أي توصيف قد يفهم باعتباره انتقالاً إلى “سلام” أو “تطبيع”. لذلك تتكرر عبارات من نوع: “وقف إطلاق النار”، “ترتيبات أمنية”، “تثبيت الاستقرار”، أو حتى الكلام عن هدنة متجددة. وهذا ليس مجرد تفصيل لغوي، بل خيار سياسي مدروس، لأن المصطلحات في الحالة اللبنانية تحمل أبعاداً سيادية وتاريخية شديدة الحساسية.
بداية، لا بد من الإشارة الى ان الفارق بين الاتفاق الأمني والسلام والتطبيع أساسي لفهم ما يجري. فالترتيب الأمني يعني عادة تفاهمات محدودة تهدف إلى منع التصعيد أو تنظيم الوضع الحدودي من دون إقامة علاقة سياسية كاملة، وهو لا يوجب الاعتراف باسرائيل. أما السلام فيتضمن إنهاء حالة الحرب والاعتراف المتبادل بين الدولتين، فيما يذهب التطبيع أبعد من ذلك عبر بناء علاقات دبلوماسية واقتصادية وثقافية مفتوحة.
من هنا يمكن فهم الإصرار اللبناني على تقديم أي مسار محتمل باعتباره “تفاهماً او ترتيباً أمنياً” لا أكثر. فالدولة اللبنانية تدرك أن الذهاب إلى اتفاق سلام رسمي سيؤدي إلى انقسام داخلي واسع، وقد يعني عملياً تقويض عهد رئيس الجمهورية بشكل باكر جداً. في المقابل، تنظر الولايات المتحدة وإسرائيل إلى أي وقف لإطلاق النار باعتباره جزءاً من ترتيبات أوسع تشمل أمن الحدود، وانتشار الجيش اللبناني، وآليات المراقبة، ومستقبل السلاح ليس فقط في جنوب الليطاني، بل على كامل المساحة الجنوبية. لذلك تبدو فكرة حصر التفاوض بوقف النار وحده صعبة عملياً، حتى لو كانت مفهومة من الناحية السياسية اللبنانية.
مع ذلك، لا توجد مؤشرات حاسمة إلى أن واشنطن أو تل أبيب تدفعان حالياً نحو اتفاق سلام شامل. بل إن الطرح المنطقي هو اقرب إلى صيغة وسطية: لا حرب مفتوحة، ولا سلام كامل، بل تفاهم طويل الأمد يضمن هدوء الحدود ويمنح الدولة اللبنانية دوراً أمنياً أكبر، من دون فرض تطبيع رسمي مباشر.
هذا السيناريو يذكّر بتجارب سابقة في المنطقة، مثل تفاهم نيسان 1996 أو اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين عام 2022، الذي تم تصنيفه على انه اتفاق تقني لا سياسي.
ضمن هذا المشهد، تصبح صورة عون جزءاً أساسياً من المعادلة، فهو يحاول الظهور كرجل دولة يسعى إلى منع الحرب وتعزيز دور الدولة، لا كشخص يقود تحولاً جذرياً في موقع لبنان الإقليمي. كما أن خلفيته العسكرية تمنحه هامشاً يسمح له بتقديم أي مقاربة أمنية باعتبارها ضرورة لحماية الاستقرار، لا مشروعاً سياسياً لتغيير هوية البلاد. لكن هذا الهامش يبقى مرتبطاً بمسار ما ستشهده واشنطن، فإذا نجحت التفاهمات المحتملة في وقف الغارات ومنع الانفجار الأمني وإعطاء اللبنانيين شعوراً بعودة الحد الأدنى من الاستقرار، فقد يعزز ذلك صورة عون كرئيس نجح في إخراج لبنان من منطق المواجهة المفتوحة. أما إذا شعر الرأي العام بأن المفاوضات تتوسع تدريجياً نحو التزامات سياسية غير معلنة، أو أن إسرائيل تحصل على ضمانات أكبر من دون مقابل واضح للبنان، فقد يتحول الأمر إلى عبء سياسي على العهد.
كل الأطراف تستخدم لغة مرنة تسمح بتحقيق أهداف مختلفة في آن واحد: واشنطن تريد استقراراً طويل الأمد على الحدود الشمالية لإسرائيل، وتل أبيب تسعى إلى تغيير أمني ملموس في الجنوب، فيما تحاول الرئاسة اللبنانية الحفاظ على سقف سياسي منخفض يمنع انفجار الانقسامات الداخلية.
لذلك، يبدو أن الاحتمال الأكثر واقعية اليوم ليس اتفاق سلام يدخل التاريخ، بل نسخة مطوّرة من ترتيبات وقف إطلاق النار مدعومة بضمانات دولية وأمنية أوسع. غير أن تجارب المنطقة تظهر أيضاً أن كثيراً من التفاهمات المحدودة تبدأ بصيغة تقنية أو أمنية ثم تتوسع تدريجياً مع الوقت، ويبقى الحكم للتاريخ.
المصدر:
النشرة