دخلت الجبهة الجنوبية مرحلة أكثر اتساعًا وخطورة، بعدما تجاوز التصعيد اليومي "الخط الأصفر" مع توسّع الغارات
الإسرائيلية وإنذارات الإخلاء إلى بلدات تقع شمال الليطاني، وصولا إلى مشغرة وقليا في البقاع
الغربي . وتزامن ذلك مع ما أعلنه رئيس الوزراء
الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن الحرب مع "
حزب الله " ينبغي أن تستمر حتى لو انتهت مع
إيران ، ومع ما نقلته "القناة 12" الإسرائيلية عن استعداد الجيش الإسرائيلي ميدانيًا لتوسيع عمليته البرية في
لبنان ، بذريعة ما وصفته بـ"خروقات حزب الله المستمرة لاتفاق وقف إطلاق النار"، ما يعكس احتمال انتقال المواجهة من نمط الضربات الجوية والرسائل التحذيرية إلى توسيع رقعة العمل البري داخل الجنوب. وفي المقابل، كثّف "حزب الله" عملياته بالمسيّرات والصواريخ ضد القوات الإسرائيلية داخل القرى الجنوبية المحتلة أو المحاذية لها.
وفيما لم يقتصر التوتر الميداني على العمليات العسكرية المباشرة، بل امتدّ إلى وقائع أثارت حساسية دينية وشعبية، أعلن الجيش الإسرائيلي أمس أنه حكم بسجن جنديَّين، بعدما ظهر أحدهما في صورة وهو يضع سيجارة في فم تمثال للسيدة مريم العذراء في جنوب لبنان. وبحسب بيان صادر عنه، وقعت الحادثة قبل أسابيع عدة في الجنوب، وحقّق فيها قادة ميدانيون.
وجاء في البيان أنه "في ختام التحقيق، حُكم على الجندي الذي وُثّق وهو يقوم بالفعل بالسجن العسكري 21 يومًا، وعلى الجندي الذي صوّر الحادثة بالسجن العسكري 14 يومًا". وفي منشور منفصل على منصة "إكس"، قالت المتحدثة باسمه أرييلا مازور: "ينظر الجيش الإسرائيلي إلى الحادثة بمنتهى الخطورة، ويؤكد أن تصرّف الجندي ينحرف تمامًا عن القيم المتوقعة من عناصره".
وكتبت" الشرق الاوسط": لم تعد الهدنة في جنوب لبنان تعني وقفاً فعلياً للقتال، بل تحوّلت إلى إطارٍ مفتوح لاشتباك يومي يتوسع تدريجياً من القرى الحدودية نحو الداخل اللبناني. ومع اتساع الغارات الإسرائيلية وإنذارات الإخلاء لتشمل بلدات تقع شمال الليطاني، وصولاً إلى مشغرة وقليا في البقاع الغربي، بدا أن
إسرائيل تنقل المعركة من مرحلة «احتواء الجبهة الجنوبية» إلى مرحلة إعادة رسم خرائط الضغط العسكري والأمني على امتداد الجنوب والبقاع الغربي معاً.
وفي موازاة هذا التصعيد، كثّف «حزب الله» عملياته بالمسيّرات والصواريخ ضد القوات الإسرائيلية داخل القرى الجنوبية المحتلة أو المحاذية لها، بينما دخلت المفاوضات السياسية والإقليمية على خط النار، وسط مؤشرات على أن الهدنة نفسها باتت تُستخدم منصةً لإدارة الصراع لا لإنهائه. وبذلك، تتحول مرحلة «ما بعد وقف إطلاق النار» إلى حرب منخفضة الوتيرة، لكنها مفتوحة جغرافياً وسياسياً، في ظل سعي إسرائيل إلى فرض وقائع ميدانية جديدة تتجاوز القرار 1701 وحدود جنوب الليطاني.
في خضم هذا التصعيد، أكد مصدر محلي لـ«الشرق الأوسط» أن «عدد القرى والبلدات
اللبنانية المحتلة بشكل كامل بلغ 35 بلدة، بينما توجد 7 بلدات أخرى تحت الحصار المباشر، كما أن 82 بلدة وقرية تعرضت لإنذارات إخلاء إسرائيلية منذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، إضافة إلى بلدات ومناطق تعرضت لاستهدافات من دون أي إنذارات مسبقة».
وكتبت" الاخبار": تكشف الوقائع الميدانية المتسارعة على الجبهة اللبنانية، مقرونةً بما ينشره الإعلام العبري، أنّ المواجهة بين حزب الله والاحتلال الإسرائيلي دخلت مرحلة جديدة تتجاوز مفهوم «الردود المتبادلة» نحو حرب استنزاف مركّبة ومتعددة المستويات، تقوم على إنهاك البنية العملياتية والعسكرية والنفسية لضباط وجنود جيش العدو وللمستوطنين معاً. ومع تكثف عمليات حزب الله داخل الشريط الحدودي المحتل، تتصاعد مؤشرات القلق داخل المؤسستين الأمنية والمدنية في الكيان من فقدان القدرة على احتواء التهديد على الجبهة الأمامية وفي الجبهة الداخلية.
بيانات
المقاومة أمس عكست التحول المتواصل في طبيعة الأداء العملياتي، إذ لم تعد الضربات تُنفَّذ كعمليات منفصلة، بل ضمن سلاسل مترابطة من الاستهداف المتتابع، تقوم على مبدأ «الكمين الناري المركّب».
ويتجلّى ذلك بصورة واضحة في عملية بيدر الفقعاني في بلدة الطيبة، حيث بدأ الهجوم باستهداف قوة إسرائيلية معادية داخل منزل بمسيّرة انقضاضية، ثم أُعيد استهداف الموقع نفسه بعد دقائق عندما حضرت قوات الإخلاء، قبل أن تُستهدف قوة الإسناد التي تدخلت لاحقاً، ما اضطر جيش الاحتلال إلى استخدام مروحية للإخلاء تحت غطاء دخاني وناري كثيف. الأمر نفسه تكرر في محور البياضة - الناقورة، حيث استهدفت المقاومة جرافة D9 بمسيّرة انقضاضية، ثم قوة السحب والإخلاء بصليات صاروخية، قبل توسيع دائرة النار إلى تجمعات الآليات والجنود بقذائف المدفعية، ثم قصف مركز قيادي مستحدث في البياضة.
وتشير كثافة العمليات وتنوعها إلى اعتماد حزب الله أسلوب «الإغراق العملياتي» عبر الدمج بين المسيّرات الانقضاضية، الصليات الصاروخية، المدفعية، وأسراب المسيّرات. فالعمليات التي استهدفت البياضة والناقورة والعديسة نُفذت عبر «أسراب» من المسيّرات، في مؤشر إلى محاولة تجاوز الدفاعات الجوية القصيرة المدى وإرباك أنظمة الرصد الإسرائيلية عبر الهجمات المتزامنة والكثيفة.
وفي موازاة ذلك، يظهر تركيز واضح على استهداف البنية الهندسية واللوجستية للاحتلال، من جرّافات D9 وآليات الهندسة إلى صهاريج الوقود والمرابض المدفعية المستحدثة، بما يعكس سعياً إلى تعطيل قدرة جيش العدو الإسرائيلي على تثبيت مواقع دائمة أو بناء تحصينات مستقرة داخل القرى الحدودية المحتلة. وفي هذا السياق، أقرّ مراسل إذاعة الجيش الإسرائيلي دورون كدوش بأن حزب الله بات يستهدف «روبوتات» وآليات هندسية غير مأهولة بمسيّرات انتحارية، في دلالة على أن المقاومة توسّع بنك أهدافها ليشمل الوسائل التكنولوجية المستخدمة لتقليل الخسائر البشرية الإسرائيلية.