على الرغم من اشتداد الحرب ال إسرائيل ية على لبنان يومًا بعد يوم، وسط غارات لا تتوقف وعمليات استهداف لا توفّر حتى العاصمة بيروت، لا يبدو أنّ الاهتمام الحقيقي يقتصر اليوم على كيفية وقف الحرب أو على إمكان فتح باب تفاوضي في لحظة ما. ثمّة سؤال آخر يتقدّم تدريجيًا على ما عداه: كيف يمكن منع هذه الحرب من الانفجار في الداخل اللبناني نفسه؟ وكيف يمكن حماية السلم الأهلي في وقت يتضخّم فيه النزوح ، وتُعزل فيه مناطق بكاملها عن محيطها؟
لعلّ ذلك ما يفسّر عودة المشهد الداخلي إلى صدارة الاهتمام في الأيام الماضية، بالتوازي مع المشهد العسكري المتفجّر الذي بلغ ذروته مع ضرب الجسور وتوسيع العمليات. وقد تجلّى ذلك بوضوح في اللقاءات التي عُقدت في قصر بعبدا، إذ بدت أبعد من مجرد متابعة سياسية روتينية لتطورات الحرب، وتقاطعت عند التشديد على أولوية دعم النازحين والحفاظ على الوحدة الداخلية.
ويبدو واضحًا أنّ عنوان الحراك الداخلي بات يتجاوز مسألة وقف الحرب الحالية، نحو تثبيت أولويات موازية لا تقلّ إلحاحًا، من حماية السلم الأهلي واستيعاب النزوح إلى منع الانزلاق نحو فتنة أو تصدّع اجتماعي يوازي في خطورته النار المشتعلة في الجنوب، علمًا أنّ ثمّة خشية جدية من أن تكون الحرب الإسرائيلية مدخلًا إلى حرب داخلية أقسى وأشنع، إذا لم يعرف كلّ الفرقاء، في السلطة وخارجها، كيف يتصرّفون في هذه اللحظة الدقيقة.
باختصار، يبدو احتواء المجتمع اليوم أولوية تتقدّم على لعبة السياسة التقليدية. فحين يضع رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب ملف النازحين والسلم الأهلي في صدارة النقاش، فهذا يعني أنّ الدولة بدأت تقرأ الخطر من زاوية أوسع من الميدان المباشر. ولعلّ الخشية هنا تكمن في تحوّل الحرب، بفعل النزوح وما يترتّب عليه من هواجس على أكثر من مستوى، إلى عامل تفجير داخلي يبدّل طبيعة الأزمة كلها.
ويوحي هذا التحوّل في الخطاب الرسمي بأنّ الأولوية لم تعد سياسية بحتة، بل مجتمعية ـ أمنية بالدرجة الأولى. فعلى مرّ الأزمات السابقة، بما في ذلك الحروب الإسرائيلية، كان يُنظر إلى ملف النزوح كعبء لوجستي يقتصر على تأمين الفرش والمواد الغذائية. أما اليوم، فمن الواضح أنّ النزوح لم يعد ملفًا إنسانيًا فحسب، ولا محصورًا بحدود الإغاثة، بل يمكن القول إنّ ملف النزوح أصبح بحدّ ذاته اختبارًا سياسيًا وأمنيًا للدولة وللعلاقة بين المكوّنات اللبنانية.
هكذا، تجاوزت المسألة حدود "الإيواء" لتصل إلى "الإدارة الاجتماعية"، في ضوء تقارير محلية ودولية تتحدث عن اكتظاظ مراكز الإيواء واتساع فجوة الاحتياجات مقارنة بقدرة الدولة والمنظمات على الاستجابة. وهنا تحديدًا يتجلّى وجه آخر للحرب، ليس فقط حرب الجبهة، بل أيضًا حرب القدرة على الاحتمال في الداخل. وفي بلد مثل لبنان، لا يبقى النزوح شأنًا إنسانيًا صرفًا، إذ يكتسب سريعًا معنى سياسيًا واجتماعيًا وأمنيًا، لأن توزيع الضغط على المناطق، وتفاوت القدرات المحلية على الاستيعاب، وحساسية البنية الطائفية والمناطقية، كلها تجعل أي اهتزاز قابلًا للتحول إلى أزمة أوسع من بعدها الخدماتي المباشر.
ولذلك، لم يعد التحدي في كيفية إطعام النازح فقط، بل في كيفية منع تحوّل وجعه أو وجوده إلى مادة للسجال الطائفي أو الاستثمار السياسي الذي قد يفجّر الشارع في لحظة غفلة.
من هذه الزاوية تحديدًا، يمكن فهم استهداف الجسور بما يتجاوز معناها العسكري المباشر. صحيح أنّ إسرائيل تبرر ذلك برغبتها في قطع الحركة على " حزب الله " ومنع انتقال الأفراد والعتاد جنوب الليطاني، لكن الأثر الفعلي لتدمير الجسور لا يقف عند حدود الاشتباك مع الحزب. فهو يعزل مناطق، ويعقّد النزوح، ويربك الإمداد، ويجعل العلاقة بين الجنوب وبقية البلاد أكثر هشاشة وقلقًا.
بمعنى آخر، لا يمكن قراءة استهداف الجسور والطرقات الدولية كخطوة عسكرية بحتة تهدف إلى قطع خطوط الإمداد أو عزل المقاتلين، بل كوسيلة ضغط تطال النسيج الاجتماعي والجغرافي اللبناني. فالضربة هنا لا تقع على بنية تحتية فقط، بل على شبكة الوصل الوطنية نفسها، وقوامها حركة الناس، وسرعة الوصول، وإمكان الإسناد.
هكذا، يصبح استهداف الجسور جزءًا من آلية ضغط أوسع على الداخل اللبناني كله، من خلال عزل الجنوب عن بيروت والجبل، وتقطيع أوصال البقاع، بما ينتج انفصالًا قسريًا للمجتمع. ولعلّ الرسالة المراد إيصالها إلى الداخل اللبناني هي أنّ الحرب لم تعد خلف الحدود، بل تحوّلت إلى خناق يضيق على الدورة اليومية لكل مواطن.
استنادًا إلى ما تقدّم، تجد الحكومة اللبنانية والأجهزة الأمنية أنفسها اليوم أمام معضلة، أو ربما مهمة شبه مستحيلة، تتمثّل في الإمساك بزمام السلم الأهلي بأدوات معطّلة أو منهكة. فكيف يمكن الحفاظ على وحدة "القرار الوطني" فيما تقطّع نيران الحرب أوصال الجغرافيا؟
وإذا كان الاحتواء الداخلي بات يتقدّم على الأجندات السياسية، باعتبار أنّ لا نفع لأي اتفاق دولي أو قرار أممي إذا كان المجتمع اللبناني قد ترهّل أو تمزّق تحت وطأة الفتن المتنقلة أو الأمن الذاتي ، فإنّ المشكلة تبقى في محدودية القدرة على الاستيعاب ما دام الميدان يفرض إيقاعه، وما دام جوهر الصراع اليوم قد انتقل من "إدارة الحرب" إلى "منع انفجار آثارها". وهو تحدٍّ يتطلّب وعيًا سياسيًا يتجاوز الحسابات الحزبية الضيقة.
في المقابل، لا يمكن فصل هذا الضغط الداخلي عن الارتفاع الملحوظ في السقف الإسرائيلي. فالتصعيد الميداني ترافق مع كلام أكثر صراحة، تمثّل في دعوة وزير المال الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش إلى ضمّ الجنوب اللبناني حتى نهر الليطاني. صحيح أنّ هذا الكلام لا يعني تلقائيًا تبنيه رسميًا من الجانب الإسرائيلي، لكنه يكشف أنّ الخطاب الإسرائيلي لم يعد محصورًا بإضعاف "حزب الله" فقط، بل بات يلامس إعادة تعريف الجغرافيا السياسية والأمنية للجنوب.
ومن هنا، يجد لبنان الرسمي نفسه أمام أولوية مركبة: من جهة، لا يستطيع تجاهل البعد السياسي للحرب ولا ما يُرسم لها إسرائيليًا؛ ومن جهة أخرى، يعرف أنّ أي حديث عن مفاوضات أو ترتيبات أو مخارج سيبقى ناقصًا إن لم يكن الداخل نفسه ممسوكًا ومحصّنًا.
في المحصلة، لا شكّ أنّ الخطر الوجودي الذي يواجه لبنان اليوم ليس محصورًا في حجم الدمار المادي الذي تخلّفه الصواريخ، بل في الندوب التي قد تتركها هذه المرحلة في الذاكرة الجماعية.
وبينما تتجه الأنظار عادة إلى الجبهة بوصفها المكان الذي يُحسم فيه مسار الحرب، تكشف وقائع اليوم أنّ معركة أخرى تدور بالتوازي: معركة منع الانقسام، ومنع الاحتقان، ومنع النزوح من التحول إلى شرخ أهلي.
لقد صارت أولوية الدولة الحقيقية هي منع تفتت الداخل تحت مطرقة النزوح وسندان العزل. فالقضية تجاوزت مبدأ المفاوضات إلى تماسك المجتمع الذي يُفاوَض باسمه. ولذلك، فإنّ منع إعادة إنتاج الانقسامات الأهلية تحت ضغط الاحتقان قد يكون الإنجاز الفعلي الأهم الذي يمكن للبنان أن يحققه في هذه اللحظة التاريخية الحرجة، بعيدًا عن صخب الميدان وحسابات الربح والخسارة العسكرية.
المصدر:
النشرة