آخر الأخبار

ما هو أخطر من الحرب

شارك
الحرب الدائرة اليوم على الساحة اللبنانية ، بما فيها من جنون وحقد، ستنتهي عاجلًا أو آجلًا. فإذا لم تنتهِ اليوم فستنتهي في الغد أو بعده أو في يوم من الأيام. وأيًّا تكون النتائج السلبية لهذه الحرب فلا بدّ من أن تحطّ رحالها، إذ أنه لم يسجّل في تاريخ الحروب، على تنوعها وتعدّدها، أنها دامت إلى الأبد. ومتى ما ذاب ثلج هذه الحروب سيبان مرج المآسي وحجم الدمار، وما تركته من ألم وحسرة على فقد أحباء سقطوا تحت وابل الصواريخ.
وأيًّا تكن المواقف المتبادلة تحت وقع صوت الصواريخ، وفي ظل الواقع المأسوي الذي يعيشه المشرّدون من منازلهم من الجنوب ومن الضاحية الجنوبية في بيروت ، فإن قدر اللبنانيين أن يجلسوا في يوم من الأيام، وبعد أن تبرد الرؤوس، إلى طاولة واحدة، للبحث في الخطوات الممكنة، التي يجب اتخاذها لتلافي الوقوع، مرّة جديدة، في تجربة الحروب العبثية، التي دفع لبنان ثمنها كلفة باهظة من اقتصاده وعافيته ومستقبل مؤسساته، ومن وحدة الشعب والأرض.
وهذه الحتمية، أي الجلوس معًا إلى طاولة واحدة، تفرض على كل طرف عدم الذهاب في خياراته ومواقفه إلى نقطة اللاعودة. وهذا ما يبدو جليًا من خلال تتبع ما يُرصد من مواقف مسنّنة لجميع الأطراف، سواء أكانوا في ضفة "الممانعين"، أو في ضفة "السياديين"، فنسمع خطابًا سياسيًا غير مألوف، وتحريضًا طائفيًا ومذهبيًا لم يشهد لبنان له مثيلًا حتى في عزّ ضراوة الحرب، التي ُسميّت "أهلية". وهذا أخطر من الحرب بحدّ ذاتها، ومن انعكاساتها السلبية والمدّمرة.
وقد يكون قول الأمام علي بن أبي طالب "أحببْ حبيبَك هونًا ما عسى أن يكونَ بغيضَك يومًا ما، وأبغضْ بغيضَك هونًا ما عسى أن يكونَ حبيبَك يومًا ما"، هو ما يجب أن يُعمَل به، قولًا وفعلًا، كسبيل وحيد للخروج من هذا الحقد، الذي يعمي البصر والبصيرة معًا.
فحفظ خطّ الرجعة ليس واجبًا فحسب يفرضه واقع البلد، الذي سبق للبابا القديس يوحنا بولس الثاني بأن صنّفه في المرتبة الرسولية بما تعنية كلمة رسالة بالمفهوم اللاهوتي للديانات السماوية، بل هو تجديد يومي بالتزام الجميع بالعيش معًا تحت سماء واحدة، وفوق تراب واحد، حيث فشلت كل محاولات الفرز والتقسيم.
غير أن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في الخطاب السياسي المتفلّت، بل في تحوّله التدريجي إلى ثقافة عامة تتسرّب إلى الشارع، وتترجم في لغة الناس اليومية، وفي وسائل التواصل الاجتماعي، وفي طريقة مقاربة كل فريق للآخر. فعندما يصبح التحريض جزءًا من السلوك العام، لا تعود العودة إلى الوراء سهلة، ولا يصبح التلاقي أمرًا بديهيًا كما كان في السابق.
وما يزيد من خطورة هذا المسار أن لبنان، المنهك أصلًا اقتصاديًا وماليًا، لم يعد يملك ترف الانقسامات الحادة. فالدولة التي تكاد تكون غائبة، والمؤسسات التي تعاني من شلل قاتل، والمجتمع الذي يرزح تحت أعباء غير مسبوقة، كلّها عوامل تجعل من أي انزلاق إضافي نحو التفكك الداخلي تهديدًا وجوديًا، لا مجرد أزمة عابرة يمكن احتواؤها.
وفي موازاة ذلك، فإن الأجيال الجديدة، التي لم تعش الحرب الأهلية بكل تفاصيلها، تتعرّف اليوم إلى نسخة أكثر خطورة منها، ليس عبر المدافع والمتاريس فقط، بل عبر خطاب الكراهية والانقسام الحاد، من دون أن تمتلك المناعة الكافية لمواجهته. وهنا تكمن المعضلة، وهي أن أي حرب في الوعي وفي اللاوعي الجماعي قد تكون أشد فتكًا من الحرب في الميدان.
من هنا، فإن المسؤولية لا تقع على عاتق السياسيين وحدهم، بل تمتد لتشمل النخب الثقافية والإعلامية والدينية، التي يفترض بها أن تلعب دورًا في تبريد الرؤوس، لا في صبّ الزيت على النار. فالكلمة في لبنان لم تكن يومًا تفصيلًا عابرًا، بل كانت في كثير من الأحيان الشرارة التي تشعل، أو الجسر الذي يصل.
وفي الخلاصة، قد تنتهي هذه الحرب كما انتهت غيرها، بتسوية أو بتوازن معيّن، لكن ما سيبقى بعدها هو ما سيحدّد مستقبل لبنان: إما مجتمع ممزّق تحكمه الأحقاد، أو وطن قادر على ترميم نفسه، ولو ببطء.
فالحروب، مهما طالت، ستنتهي. أما الكراهية، إذا تُركت من دون ضوابط، فقد تتحول إلى قدر دائم. وهنا يكمن الخطر الأكبر. فما نقرأه على مواقع التواصل الاجتماعي ينذر بكارثة تفوق بخطورتها ما تسبّبه الحرب من قتل ودمار وتشريد. فالصاروخ يحدث ضررًا في المكان المستهدف فقط، وإن كانت استهدافات هذه الأيام معمّمة أكثر من أي وقت مضى. ولكن أذى الكلمة غير المسؤولة، التي تُكتب أو تقال أو يُهمس بها، يطال الجهات الأربع، ولن يقتصر ضررها في مكان وزمان محدّدين، بل يشمل أكبر شريحة من المتلقين.
لبنان ٢٤ المصدر: لبنان ٢٤
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا