مع بدء العملية البرية الإسرائيلية "المحدودة" في جنوب لبنان ، دخلت المواجهة مرحلة مختلفة وأكثر خطورة، خصوصًا في ضوء ما رافقها من تمهيد ناري كثيف وتوغلات موضعية وتوسيع لدائرة الضغط على القرى الحدودية. ولأنّ هذه العملية تأتي على وقع تسريبات إسرائيلية لا تتوقف عن خطط عسكرية لهدم بيوت من هنا، واحتلال أراضٍ من هناك، فإنّها تفتح الباب أمام سلسلة من علامات الاستفهام: هل هي خطوة عسكرية موضعية، أم محاولة لفرض وقائع ميدانية جديدة تعيد رسم حدود الجنوب وترفع سقف أي تفاوض لاحق؟
لا شكّ في أنّ عبارة "العملية البرية" تستحضر في الذاكرة
اللبنانية فورًا مشاهد الاجتياح الواسع والاحتلال المباشر، إلا أنّ المؤشرات الحالية لا توحي، أقلّه حتى الآن، بأنّ
إسرائيل تتجه إلى تكرار النموذج التقليدي نفسه. فما يجري يبدو أقرب إلى عملية مدروسة، متدرجة، ومضبوطة الإيقاع، تُدار تحت سقف أهداف محددة، وتتحرك ضمن حسابات دقيقة تتصل بالكلفة العسكرية والسياسية في آن واحد. وقد يكون هذا بالتحديد هو ما يجعل التوصيف
الإسرائيلي للعملية بأنها "محدودة" جزءًا من المعركة نفسها، بما يخفف من وقعها ويمنح إسرائيل هامشًا أوسع للمناورة والتدرّج.
لكنّ "المحدودية" هنا لا تعني بالضرورة ضيق الأهداف أو تواضع الطموحات. فإسرائيل قد لا تكون بصدد احتلال واسع للجنوب، إلا أنّها تبدو معنية بإعادة تشكيل المشهد الحدودي بالنار، وهي تسعى إلى اختبار الخطوط الدفاعية الأولى، وتحديد المسارات التي يمكن من خلالها تحقيق خروقاتٍ ميدانيةٍ لاحقًا إذا ما تقرّر توسيع رقعة المواجهة. ومن هنا، فإنّ السؤال المطروح اليوم لا يتعلق فقط بحجم التوغّل أو نطاقه، بل بما إذا كانت إسرائيل تستخدم هذه العملية البرية أداةً لإعادة رسم الحدود الأمنية والسياسية للجنوب، قبل أي تفاوض أو تسوية لاحقة.
التوغّل ليس اجتياحًا كلاسيكيًا
في
الظاهر ، قد يبدو الحديث عن عملية برية تطورًا عسكريًا تقليديًا في سياق حرب متدحرجة. غير أنّ القراءة الأعمق توحي بأنّ إسرائيل لا تبحث، في هذه المرحلة على الأقل، عن اجتياح واسع ومفتوح على احتمالات احتلال طويل الأمد، بقدر ما تسعى إلى نموذج أكثر مرونة وأقل كلفة. فهي تدرك أنّ التورط في حرب برية شاملة داخل الجنوب اللبناني ليس قرارًا سهلًا، لا بسبب طبيعة الأرض وحدها، بل أيضًا بفعل الأكلاف البشرية والسياسية والاستراتيجية التي قد تترتب عليه.
لهذا السبب تحديدًا، تبدو العملية البرية الراهنة أقرب إلى تكتيك مركّب يقوم على التقدّم المحسوب، لا الاندفاعة الكبرى، أي أنّ إسرائيل تحاول تحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب من دون الانخراط الكامل في سيناريو احتلال واسع. بكلام آخر، فإنّ التوغل هنا ليس هو الهدف، وإنما يمكن اعتباره وسيلة لتحقيق مجموعة من الأهداف، تتقاطع على اختبار الميدان، واستنزاف الخصم، وتوسيع هامش الضغط، وإظهار القدرة على نقل الحرب من الجو إلى الأرض، وهذا تحديدًا ما يمنح العملية طابعًا وظيفيًا أكثر منه رمزيًا أو استعراضيًا.
ضمن هذا المنطق، يمكن فهم الاستهداف المركّز لقرى الحافة الأمامية، والتدمير المنهجي للبنى والمنازل والطرقات والمساحات المتاخمة للخط الحدودي، باعتباره جزءًا من محاولة خلق منطقة مشوّهة ميدانيًا، يصعب استعادتها كما كانت. فإسرائيل تسعى عمليًا لخلق "شريط نار" يعزل الحدود اللبنانية عن عمقها الجنوبي، ويحوّلها إلى منطقة عازلة بحكم الأمر الواقع الميداني، وهي بذلك لا تكتفي بإرسال رسالة نارية إلى "
حزب الله "، بل تسعى إلى إعادة هندسة المسافة الفاصلة بينها وبين الداخل اللبناني، عبر جعل هذه المسافة أكثر انكشافًا، وأقل قابلية للاستخدام العسكري في المرحلة المقبلة، بما يمنع العودة إلى توازنات ما قبل الحرب.
من الضغط العسكري إلى رفع سقف التفاوض
هكذا إذًا، تُقرَأ العملية البرية في سياق محاولة إسرائيلية متجدّدة لإعادة تشكيل المشهد الحدودي بالنار، وهو ما يتحقّق عمليًا عبر قضم ميداني للحافة الأمامية، تدمير للبنى التي تعتبرها مهددة، دفع إضافي نحو التهجير، وخلق شريط ضغط أمني يجعل أي عودة إلى ما قبل الحرب أكثر تعقيدًا. غير أنّ اختزال هذه العملية، ولو وُصِفت بـ"المحدودة"، في بعدها العسكري وحده يبقى قاصرًا عن فهم معناها الكامل.
عمليًا، لا تدخل إسرائيل برًا فقط لأنها تريد تدمير مواقع أو ضرب بنى أو دفع مقاتلين إلى التراجع، بل لأنها تدرك أنّ التقدّم على الأرض، ولو كان محدودًا ومدروسًا، يمنحها ورقة إضافية في السياسة، وتحديدًا على طاولة المفاوضات. وتدرك
تل أبيب أنّ امتلاك "أوراق ضغطٍ" جغرافيةٍ ملموسةٍ داخل الأراضي اللبنانية يمنح المفاوض الإسرائيليّ القدرة على فرض شروطٍ أمنية وسياسية قاسيةٍ، تتصل بطبيعة الرقابة الحدودية ومستقبل السلاح في المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني، وتتجاوز في جوهرها التطبيق الحرفي للقرار 1701.
بهذا المعنى، قد يكون الهدف من العملية البرية "رفع سقف التفاوض"، لا "الإطاحة به"، فحين تفرض إسرائيل وقائع جديدة على الأرض، وتدفع نحو تغيير ملموس في الخريطة الحدودية المشتعلة، فإنّها تقول بشكل أو بآخر إنّ أي تفاوض مقبل لن ينطلق من النقطة التي كان عليها الوضع قبل الحرب، أي أنّها تحاول، بالنار، تعديل الشروط التي قد تُطرح لاحقًا على الطاولة، بحيث يصبح
لبنان و"حزب الله" أمام واقع أكثر صعوبة وأكثر كلفة. ومن هنا، لا يمكن فصل العملية البرية عن منطق الضغط التفاوضي غير المباشر. فإسرائيل قد لا تكون قررت الذهاب إلى حرب احتلال، لكنها تبدو مصممة على استخدام القوة البرية من أجل صناعة "أرضية تفاوض" مختلفة، وبالتالي فرض شروطها على أيّ تسوية مقبلة.
هكذا، يبدو لبنان أمام مرحلة شديدة الحساسية، لأنّ الخطر لا يكمن فقط في توسّع رقعة العمليات، بل في أن يتحول التوغّل "المحدود" إلى مسار متدرج لفرض أمر واقع ثابت. فالعملية البرية قد لا ترقى إلى سيناريو الاحتلال الواسع، لكنها قد تنطوي على ما هو أخطر من ذلك، لأنها تحمل في داخلها مشروعًا لإعادة تعريف الحدود الأمنية بالنار، قبل أن يعاد تثبيتها بالكلمات أو التفاهمات. وبين "المحدودية" المعلنة والأهداف الأوسع المضمرة، تبدو المعركة مفتوحة على مرحلة أكثر تعقيدًا، عنوانها الأساسي أنّ ما تعجز إسرائيل عن انتزاعه بالقصف وحده، تحاول انتزاعه بخطوات برية محسوبة، ولكن شديدة الخطورة.