مع عودة المواجهة العسكرية إلى الواجهة، لم تعد الانتخابات النيابية في لبنان استحقاقاً قائماً، بل تحوّلت عملياً إلى بند مؤجل لعامين على ما يبدو بانتظار اتضاح صورة الميدان.
بحسب معلومات "النشرة" فإن الحديث عن التمديد لم يعد همساً في الكواليس، بل نقاشاً رسمياً يبحث عن الالية، تقوده اتصالات نشطة من نائب رئيس مجلس النواب الياس بو صعب بين رئيس الحكومة نواف سلام ورئيس مجلس النواب نبيه بري للبحث في الآلية الدستورية والإجرائية التي تتيح تمرير التمديد بأقل قدر ممكن من الخسائر السياسية.
وتشير المعلومات إلى أن الاتجاه الغالب هو أن يتقدم عدد كبير من النواب باقتراح يطلب التمديد الرسمي للمجلس، بما يمنح القرار غطاءً نيابياً واسعاً ويخفف من وطأة تحمّل المسؤولية من جهة واحدة.
من الناحية الشكلية، يمكن تسويق التأجيل على أنه إجراء قسري تفرضه الظروف الأمنية، خصوصاً إذا كانت البلاد أمام تصعيد مفتوح أو تهديدات جدية تعيق تنظيم عملية انتخابية على مستوى وطني. لكن من الناحية السياسية، لا يمكن فصل هذا المسار عن رغبات واضحة لدى أطراف ترى في التمديد مصلحة مباشرة لها. رئيس الحكومة لا يخفي تفضيله للتمديد، سواء من باب تجنّب اختبار سياسي غير مضمون النتائج للقوى التي ترعى الحكومة، أو من زاوية الحفاظ على توازنات قائمة تجعل الحكومة تستمر وتعطيه هامش حركة أوسع في إدارة المرحلة.
كذلك، لا يخفى أن عدداً من العواصم المؤثرة كان واضحاً في مقاربته، مفضلاً تأجيل الانتخابات، انطلاقاً من هاجس الحسابات المرتبطة بتركيبة المجلس المقبل.
الواقع الأمني، بهذا المعنى، قدّم مخرجاً مناسباً للجميع تقريباً. فهو يمنح التمديد مشروعية اضطرارية، ويحول دون خوض معركة انتخابية غير معلومة النتائج، إلا أن السؤال الجوهري لا يتعلق فقط بشرعية التأجيل، بل بآثاره السياسية على المدى المتوسط. فالانتخابات في لبنان تشكل محطة لإعادة قياس الأحجام وتثبيت موازين القوى. وعندما تُعلّق هذه المحطة، يُجمد معها جزء أساسي من عملية إعادة إنتاج النظام السياسي.
الرهان الفعلي بات مرتبطاً بمآلات الحرب، هناك فريق يرى أن هذه الجولة يجب أن تُستثمر لتغيير الواقع الذي حاولت إسرائيل تكريسه خلال الأشهر الخمسة عشر الماضية، سواء على مستوى قواعد الاشتباك أو على مستوى المعادلة الداخلية المرتبطة بسلاح حزب الله ودوره، وهو ما سينعكس على الداخل ايضا.
في المقابل، هناك فريق آخر ينتظر أن تفضي هذه الجولة إلى إضعاف حاسم للحزب، أو على الأقل إلى تقليص حضوره وتأثيره بما يسمح بإعادة تشكيل السلطة من دونه أو على حسابه. هذا الفريق يقرأ الحرب كفرصة لإعادة رسم الخريطة السياسية، ويعتبر أن أي استحقاق انتخابي يجب أن يأتي بعد أن تتضح صورة ميزان القوى الجديد. من هنا، يصبح التمديد خياراً ضروريا بالنسبة اليه بانتظار ما ستنتجه المعركة.
بين هذين الرهانين، يبدو أن التأجيل سيكون تعبيراً عن مرحلة انتقالية معلّقة بين احتمالين، إما تثبيت واقع جديد يعيد توزيع الأدوار داخلياً، أو العودة إلى معادلة ما قبل الحرب مع بعض التعديلات الشكلية.
في كل الأحوال، تمديد ولاية المجلس النيابي لن يحلّ الأزمة البنيوية للنظام السياسي، ولن يعالج الانقسام العميق حول الخيارات الاستراتيجية للبلاد. هو، في أفضل الأحوال، إدارة للوقت بانتظار حسم أكبر يجري خارج صناديق الاقتراع.
المصدر:
النشرة