آخر الأخبار

الجيش في مواجهة الألغام... تعطّل الميكانيزم يفتح الباب أمام التفاوض المباشر؟

شارك

في لحظة سياسية شديدة التعقيد، تتقاطع فيها نذر المواجهة الكبرى بين واشنطن و طهران مع اشتعالٍ متجدّد في الميدان ال لبنان ي، بالتزامن مع عودة ملف "حصر السلاح" إلى الواجهة رغم تحفّظات " حزب الله "، وعشيّة مؤتمر باريس لدعم الجيش وقوى الأمن المقرّر مطلع الشهر المقبل في العاصمة الفرنسية، اختلطت أوراق كثيرة دفعة واحدة مع تعطّل لجنة " الميكانيزم " بغياب المندوب الإسرائيلي عن اجتماعها الأخير.

صحيح أنّ دور لجنة مراقبة وقف الأعمال العدائية، المعروفة بـ"الميكانيزم"، بدأ يتراجع منذ بداية العام الحالي، لكنّ الصحيح أيضًا أنّ هذا التراجع بدا امتدادًا طبيعيًا لمسار أداءٍ حوّل اللجنة خلال مدة وجيزة من "قناة" يُفترض أن تُنتج مخرجات مدنية تخفّف الاحتكاك، إلى إطار عسكري–أمني يكتفي بتدوير الزوايا ومنع الانفلات، أو بتسجيل الخروقات والانتهاكات من دون أن يقوى على وضع حدّ لها.

حتى ما اعتُبر "إنجازًا" عند تعيين لبنان الرسمي شخصية مدنية لترؤس الوفد المفاوض، لم يشفع في تعزيز وظيفة اللجنة، إذ أُفرغ هذا التطور من مضمونه سريعًا، فانعقدت اجتماعات اللجنة مطلع 2026 بغياب الموفدين المدنيين الذين كان قد جرى "تطعيم" اللجنة بهم، وبات دورها عمليًا محصورًا بالتنسيق العسكري، لتصل الأمور إلى الذروة مع غياب المندوب الإسرائيلي "بلا عذر"، إضافة إلى غياب رئيس اللجنة والمبعوثة الأميركية مورغان أورتاغوس .

هنا، لم يعد ممكنًا الحديث عن "تراجع" في دور اللجنة بالمعنى التقليدي، بل عن تعطّل فعلي ومتعمّد ومقصود، وهو ما يطرح أسئلة سياسية أكثر مما يطرح أسئلة تقنية. فهل يسعى البعض إلى فرض واقع جديد لا مكان فيه للوسطاء التقليديين؟ وهل يُدفَع لبنان إلى خيار "بديل"؟ وهل يصبح " التفاوض المباشر " فعلًا عنوان المرحلة كما يتداول البعض، وما تأثير ذلك على الداخل اللبناني المهتز أصلًا؟ وهل يتحمّل لبنان هذا النقاش في هذا التوقيت؟.

"الميكانيزم"… قصة "موت بطيء"

بمعزل عن كلّ شيء، يصعب القول إنّ إعلان "تجميد" المفاوضات المدنية بين لبنان وإسرائيل، وتزامن ذلك مع تعطّل اجتماعات اللجنة التقنية، جاء وليد الصدفة أو مفاجئًا تمامًا لأيّ من الأطراف المعنية، ولو أنّه كان من الطبيعي أن يترك أثرًا سياسيًا وإعلاميًا. فما حصل يبدو نتاج تراكمات تحوّلت معها اللجنة تدريجيًا من منصّة لضبط الخروقات وتثبيت ترتيبات أمنية، كما يدلّ اسمها، إلى ما يشبه "صندوق بريد" لتسجيل الشكاوى اللبنانية التي لا تجد صدى ميدانيًا.

فبالعودة إلى "أصل" اللجنة، هي نشأت في جوهرها كقناة لتبادل المعلومات والتنسيق بهدف تطبيق القرار الدولي 1701 وضبط الخروقات، لا عدّها، ولم يكن الهدف منها أن تكون منصّة سياسية لإنتاج تسويات. لكن في الأشهر الأخيرة، طرأت تغيّرات كبيرة على المشهد، وأصبحت اللجنة رهينة دينامية إقليمية أكبر منها، خصوصًا لجهة صعود وهبوط التوتر الأميركي–الإيراني، ما انعكس مباشرة على وتيرة عملها وأولوياتها.

إلا أنّ العامل الأكثر حساسية في قصة "الموت البطيء" يرتبط بالميدان نفسه، إذ تشير أوساط سياسية إلى أن المقاطعة الإسرائيلية للاجتماع الأخير للجنة هدفت إلى توجيه "رسالة امتعاض" إلى الدولة اللبنانية، ليس فقط على خلفية المماطلة في تنفيذ قرار "حصر السلاح" الذي رفعه العهد شعارًا له، بل أيضًا بسبب تحركات الجيش اللبناني وقراره استحداث نقاط مراقبة جديدة، علمًا أنّ إسرائيل لا تستطيع منع انتشار الجيش جنوب الليطاني.

هنا بالذات يُقرأ الغياب الإسرائيلي عن الاجتماع الأخير كرسالة ضغط مزدوجة: من جهة على الجيش كي لا يراكم "وقائع سيادية" على الأرض، ومن جهة ثانية على المسار ككل لتفريغ أي قناة قد تُمكّن لبنان من تحويل انتشاره إلى مكسب سياسي. ويعزّز هذا الانطباع تعليق مشاركة الموفدين المدنيين في اجتماعات اللجنة، بما يوحي بأن إسرائيل لا تريد منح الجانب اللبناني أي أوراق قابلة للاستثمار، حتى ضمن مسار تفاوضي قد يخدمها في مكان ما.

"الانكفاء" الأميركي… وتحضير "البديل"

أبعد من الغياب الإسرائيلي، يصعب القفز فوق مقاربة الولايات المتحدة التي بات واضحًا أنها لا تتعامل مع الملف اللبناني بالزخم نفسه الذي طبع المرحلة التي تلت اتفاق وقف إطلاق النار. فقد توقفت المبعوثة مورغان أورتاغوس عن حضور اجتماعات "الميكانيزم"، لأسباب تتفاوت رواياتها بين ما هو شخصي وما هو سياسي، كما تراجع حضور الموفد توم براك وغيره من الشخصيات التي كانت ناشطة في التواصل مع الدولة اللبنانية خلال الفترة الماضية، واقتصر المشهد في كثير من الأحيان على تحذيرات عامة من احتمالات الانزلاق على الجبهة.

يرى العارفون أنّ هذا السلوك قد يعكس "انكفاءً تكتيكيًا" من واشنطن، التي يبدو أنها انتقلت من دور "الوسيط الضامن" إلى دور أقرب إلى "المراقب"، مع ترك ضغط الميدان يرتفع كوسيلة لدفع الأطراف نحو إعادة تشكيل قواعد اللعبة لاحقًا. ليس الأمر بالضرورة "نظرية مؤامرة"، لكنه يندرج ضمن منطق سياسي مألوف: خفض الانخراط المباشر عندما تتعقد الملفات الكبرى، وإبقاء القنوات الأدنى تعمل بالحد الأدنى، إلى حين تبلور مسارات أوسع.

قد يرى البعض في هذا الانسداد فشلاً تقنيًا، لكن لا بدّ من قراءته في العمق كرسالة سياسية أيضًا مفادها أن القنوات الحالية لم تعد كافية بنظر بعض الأطراف، وأن المطلوب الذهاب إلى خطوة أكثر تقدّمًا. باختصار، ثمة محاولة لجرّ لبنان إلى مربع "التفاوض المباشر". لكن هل يحتمل البلد مثل هذا التحول؟ وماذا يعني "التفاوض المباشر" عمليًا، ومن يملك التفويض اللازم لاتخاذ القرار؟

ماذا يعني التفاوض المباشر؟

ليس سرًا أنّ "التفاوض المباشر" لطالما كان هدفًا إسرائيليًا معلنًا، في مقابل رفض لبناني للبحث بالأمر، ليس اليوم ولا غدًا، ولكن قبل أن توقّع الدول العربية قاطبة على السلام مع إسرائيل، وتُحَلّ القضية الفلسطينية. وتسعى إسرائيل لانتزاع اعتراف لبناني مباشر بشرعية مطالبها الأمنية، بعيدًا عن كواليس الوساطات الدولية التي باتت تل أبيب تراها "قيودًا" ولو أنّها غير ملزمة بالنسبة إليها، طالما أنها تفعل ما تشاء أينما تشاء، ومتى تشاء.

مع ذلك، يمكن القول إن الانتقال من "الميكانيزم" التقني إلى تفاوض سياسي مباشر ليس تغييرًا في الشكل فحسب. إنه قرار سياسي بامتياز. وفي لبنان تحديدًا، هو عنوان انقسام داخلي جاهز للاشتعال، لأن هناك من قد يراه "ضرورة" لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، في مقابل من يعتبر أنّ الذهاب إلى التفاوض المباشر "سقطة سياسية" تنطوي على تنازل عن مبادئ وثوابت.

هنا تُطرح أسئلة ستبقى بلا أجوبة واضحة إلى حين. على مستوى المرجعية مثلًا: هل يكون التفاوض، إن حصل، تحت سقف القرار 1701 بوصفه إطارًا لتطبيق التزامات قائمة، أم يتحول القرار إلى منصة "مقايضة" تُضاف إليها سلال جديدة؟ ومن يملك التفويض لاتخاذ قرار من هذا النوع أصلاً؟ ومن يفاوض باسم لبنان؟ ومن يضمن ألا يتحول أي مخرج إلى مادة صراع داخلي أكبر من الصراع نفسه؟

الجيش اللبناني... طوق النجاة

في مقابل هذا الانسداد الدبلوماسي، يبرز الجيش اللبناني كـ"طوق نجاة" وحيد، لكنه طوق محاصر بالأزمات. فالمجتمع الدولي يدرك أن انهيار القنوات السياسية يضع المؤسسة العسكرية وحدها في مواجهة "الأعاصير" الميدانية. وقد تجلّى ذلك في الفترة الأخيرة مع توسع وحدات الجيش في الجنوب والانتشار في سياق مهمة سيادية كبرى تُطلب من مؤسسة تواجه "ألغامًا" سياسية داخلية وشحًا هائلًا في الإمكانيات والعتاد.

المفارقة اللافتة تكمن في حساسية الرهان الدولي: بينما يُطلب من الجيش أن يكون "الضمانة" لمنع الانزلاق نحو حرب شاملة، تبقى المؤسسة العسكرية عمليًا تحت رحمة مساعدات متقطّعة، فيما مؤتمر دعم الجيش وقوى الأمن ليس مضمون النتائج، وقد يتحول بدوره إلى رهينة أولويات إقليمية ودولية لا يملك اللبنانيون التحكم بها بالكامل. فكيف يمكن للجيش أن يملأ الفراغ الذي خلّفه تعطل "الميكانيزم" وهو يواجه معضلة تأمين الرواتب الأساسية لعناصره؟

هنا، لا يخفى على أحد أنّ تمكين مؤسسات الدولة وتعزيز السيادة وبسط السيطرة، مع التشديد على هدف "حصرية السلاح بيد الدولة"، كلها أولويات توضع في صلب المقاربات الدولية في هذه المرحلة. إلا أنّ هذا الرهان يبدو أحيانًا كأنه "هروب إلى الأمام": فبدل الضغط الحاسم لوقف الخروقات الإسرائيلية ، يتحول جانب من الضغط إلى الداخل اللبناني لزيادة أعباء الجيش، في محاولة لتحويل المؤسسة العسكرية إلى ما يشبه "شرطيًا برتبة ديبلوماسي" يحمل عبء فشل السياسة والوساطات معًا.

ولعلّ المفارقة الأكثر حساسية أن إسرائيل تنزعج من تحركات الجيش نفسه ومن استحداثه نقاط مراقبة جديدة، أي من جوهر الدور الذي يراهن عليه الخارج. بمعنى آخر: الخارج يطلب من الجيش أن يكون ضمانة، وإسرائيل تضغط كي لا تتحول هذه الضمانة إلى تراكم سيادي فعلي، والداخل منقسم حول حدود الدور ووظائفه. وفي الوسط، تُطرح فكرة "التفاوض المباشر" كحل سحري، فيما هي في الواقع كلفة سياسية قد تفوق قدرة البلد على التحمل.

في المحصلة، يبقى الجيش "الفرصة الأخيرة" الواقعية لمنع الانزلاق الكبير، لأنه المؤسسة الوحيدة القادرة على تثبيت نقاط وانتشار ومنع احتكاك يومي. لكنّ مثل هذا الرهان عليه يحتاج إلى أفعال لا أقوال، وإلى دعم مادي حقيقي يخرجه من دائرة القلق على الرواتب والقدرة التشغيلية. أكثر من ذلك، فإن تحميل الجيش وحده عبء السياسة سيبقي الباب مفتوحًا على اختبار أصعب: هل ينجح لبنان في تثبيت مرجعية 1701 كإطار ضبط وتطبيق، أم يُسحب تدريجيًا نحو مسار تفاوضي أعلى كلفة وأشد انقسامًا؟.

النشرة المصدر: النشرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا