تشهد مدينة نيويورك شتاءً قاسيًا أودى بحياة العشرات، في وقت تتصاعد فيه أزمة التشرد إلى مستويات غير مسبوقة، مما يضع العمدة زهران ممداني أمام خيار حاسم: الاستمرار في إدارة الأزمة بالوسائل التقليدية، أو الشروع في إصلاح شامل ينهيها من جذورها.
ويرى الكاتب مارك هورويتز وهو مسؤول سابق في إدارة خدمات المشردين -في مقال له بصحيفة نيويورك تايمز- أن اللحظة الحالية تفرض إعادة النظر في سياسة "الحق في المأوى" المعتمدة منذ عام 1981، والتي تُلزم المدينة بتوفير سرير لكل محتاج، لكنها -حسب رأيه- تحولت إلى عبء مالي وإداري ضخم يكرّس الاعتماد على الملاجئ الطارئة بدل الاستثمار في السكن الدائم.
ويشير المقال إلى أن نظام الملاجئ -رغم انطلاقه من دوافع إنسانية في ثمانينيات القرن الماضي- بات يعاني من اختلالات عميقة، تتمثل في مرافق مكتظة وخدمات غير كافية، وعدم وجود مسارات خروج حقيقية نحو الاستقرار السكني.
ومع تفاقم أزمة المهاجرين عام 2023، ارتفع عدد المقيمين في الملاجئ إلى أكثر من 125 ألف شخص، في حين قاربت ميزانية إدارة خدمات المشردين أربعة مليارات دولار، مما أدى إلى انتقادات تتهم النظام بالتحول إلى ما يشبه "مجمعًا صناعيا للملاجئ".
وفي هذا السياق، دعا الكاتب إلى تحويل بوصلة السياسات من "الحق في المأوى" إلى "الحق في السكن"، عبر التوسع في الإسكان الداعم الدائم الذي يوفّر خدمات اجتماعية وصحية مرافِقة من دون شروط معقّدة، واستشهد بتجارب دولية نجحت في خفض التشرد المزمن إلى مستويات شبه صفرية عند توفير عدد كافٍ من الوحدات السكنية.
وأكد الكاتب أهمية تعزيز برامج المساعدة الإيجارية لسد فجوة القدرة على تحمّل تكاليف السكن، معتبرا أن الاستثمار في السكن الدائم أقل كلفة على المدى الطويل من تمويل الملاجئ والطوارئ والسجون وخدمات الإسعاف.
واقترح المقال اعتماد نهج وقائي استباقي يحدّد الأفراد الأكثر عرضة لفقدان السكن ويقدّم لهم دعما مبكرا، مما يسمح بإعادة توجيه مئات الملايين من الدولارات من الملاجئ المؤقتة إلى حلول دائمة.
ودعا الكاتب العمدة إلى إطلاق حوار عام شفاف يضم الجهات المعنية كافة، بهدف إعادة تصميم النظام بما يضمن استخداما أكثر كفاءة للموارد، وملء الوحدات الشاغرة وإزالة الحواجز البيروقراطية.
وإذا استطاع العمدة -حسب الكاتب- إقناع أبرز المدافعين والمحامين الموثوقين في المدينة بالتفاوض على "حق محدث في السكن الحقيقي"، فسيكون قد أنجز أمرا أصعب بكثير وأكثر فاعلية من مجرد الوفاء بوعده الانتخابي بتجميد الإيجارات.
وخلص المقال إلى أن إنهاء التشرد لا يتطلب فقط تجميد الإيجارات أو توسيع الملاجئ، بل إرادة سياسية لإعادة تعريف الحق الأساسي من سرير مؤقت إلى مسكن مستقر، معتبرا أن السياسة الأكثر إنسانية ليست تلك التي تستجيب للأزمة بعد وقوعها، بل تلك التي تمنعها قبل أن تبدأ.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة