آخر الأخبار

تصحيح الإدارة... قبل تصحيح الرواتب!

شارك

هل الرواتب التي يتقاضاها العاملون في القطاع العام مُنصفة؟ الإجابة المُباشرة والسريعة على هذا السؤال هي: كلا، غير مُنصفّة ولا عادلة بالنسبة إلى الأغلبية! هل يجب تصحيحها فورًا وبشكل سريع–كما يُطالب المُوظفون والمتعاقدون والمُتقاعدون الذين يلجأون حاليًا للضغط عبر الاضرابات والاعتصامات والتهديدات بالتوقف عن العمل في حال لم تستجب الحكومة؟ الإجابة هي كلا أيضًا، لأنّه يجب أن يسبق هذه الخطوة المَنشودة والضرورية، سلسلة إجراءات وتدابير لم تحصل بعد على الرغم من كل الوعود الطنّانة على مدى العُقود الماضية، وليس السنوات والأشهر القليلة الماضية فحسب! وأبرز هذه الإجراءات والتدابير المطلوبة:

أوّلًا: حان الوقت لانصاف الموظف الرسمي المُتمرّس والنشيط والمُجتهد، وتمييزه عن الموظّف غير المُؤهّل والمهمل وغير المبالي! حان الوقت لإجراء تحقيقات مركزية حقيقية بعيدًا عن المحسوبيات والاعتبارات الطائفية والمذهبية الضيّقة، في كل الدوائر الرسمية، لتثبيت الموظّفين و المتعاقدين الذين يتمتّعون بالشهادات والمؤهلات والخبرات اللازمة، ويُعطون الأولويّة لعملهم في القطاع الرسمي، وفصل الموظّفين والمتعاقدين الذي لا يحضرون إلى أماكن عملهم، وإن حضروا لا يعملون! فالإنصاف هو المدخل لإعادة الحيويّة والعدالة لوزارات ودوائر الدولة، ولتحفيز الموظّف الرسمي على العمل، حيث يشعر أنّه مُقدّر وغير مَغبون.

ثانيًا: حان الوقت لوقف ما يُعرف في علم الاقتصاد باسم "البطالة المُقنّعة"، أي عندما يتم تجميع مجموعة من الموظفين والعاملين في مكان عمل واحد بشكل مفرط، بحيث لا تتوفّر أدوار ومهمّات كافية لهم جميعًا، بحيث تعمل قلّة منهم فعليًا، وتكتفي المجموعة الباقية بالجلوس وتمرير الوقت من دون تنفيذ أيّ عمل منتج! وهذا الأمر هو حقيقة واقعة في العديد من وزارات الدولة ودوائرها الرسمية بعد أن كان قد جرى في مراحل سابقة فتح الباب أمام التوظيف بشكل عشوائي، لغايات انتخابية سياسية ولمصالح فئوية ضيّقة.

ثالثًا: حان الوقت لسد المواقع الوظيفية الشاغرة، ولإعادة توزيع فائض الموظفين والمتعاقدين على الوزارات والدوائر الرسمية التي تُعاني من نقص في العديد يؤثّر بشكل مباشر على الخدمات التي تُقدّمها للمواطنين، لجهة البطء الشديد في تسيير المعاملات بالدرجة الأولى، والتأخّر في معالجة المُشكلات والشوائب. وهذا الأمر يستوجب، معرفة دقيقة بمؤهلات كل من يتقاضى حاليًا راتبًا من الدولة اللبنانية، ومعرفة دقيقة بحاجات ومتطلّبات كل وزارة ودائرة رسمية، تمهيدًا لإعادة توزيع الموظفين بشكل يُنهي الحُضور المفرط في بعض الأماكن، ويسدّ النقص العددي في أماكن أخرى.

رابعًا: حان الوقت لرقمنة الإدارات والوزارات الرسمية، لجهة الانتقال من الأساليب التقليدية القديمة في تقديم المعاملات وإنجازها وتسديد رسومها، إلى استعمال التكنولوجيا الرقمية لإتمام هذه المعاملات بكل تفاصيلها، الأمر الذي من شأنه تحسين الخدمات الإدارية وكفاءتها، ويؤمن حفظ المعلومات والوثائق والمستندات في أرشيف رقمي يسهل الوصول إليه وتحديث مضمونه. أكثر من ذلك، من شأن الرقمنة أن تكافح بشكل نهائي كل عمليات رشوة المُوظفين من جهة وكل مخالفات التهرّب من الضرائب والرسوم من جهة أخرى.

وبالتالي، عند إتمام كل هذه التدابير والإجراءات المَذكورة أعلاه، أي عند "تصحيح الإدارة"-إذا جاز التعبير، يُفتح الباب واسعًا أمام مطلب تصحيح الرواتب، وهو مطلب حقّ للموظفين والمتعاقدين الحاليّين، ولكل المتقاعدين بطبيعة الحال. وما ينطبق على المدنيّين العاملين لصالح الدولة، يشمل أيضًا وبطبيعة الحال العاملين في السلك العسكري، إن الذين هم في الخدمة حاليًا أو المتقاعدين منهم. لكن يجب هذه المرّة أنّ تتمّ خطوة تصحيح الرواتب بشكل مدروس وعقلاني، وليس كما حدث في العام 2017، عندما جرى تمويل سلسلة الرتب والرواتب العائدة إلى القطاع العام من أموال المودعين الخاصة في المصارف، الأمر الذي لعب جزئيًا دورًا في الانهيار الذي حصل بعد ذلك بوقت قصير، علمًا أنّ الأسباب الأساسية للانهيار كانت موزّعة في حينه على الفساد المُستشري، و الهدر المُفرط، والدعم غير المدروس للعديد من السلع، والتهريب المُتكرّر إلى سوريا، إلخ.

من هنا، يجب على السُلطات الرسمية العمل بجهد أكبر على ضبط الهدر في كل الوزارات والدوائر، ومكافحة التهرّب من الضرائب والرسوم، وتشديد المراقبة الجمركية على حركة مرور البضائع، عبر المرافق الجويّة والبحريّة والبريّة، وإستعادة الكثير من الأموال المنهوبة من خلال ضبط عشرات المخالفات، بدءًا بتهرّب بعض الشركات من الضرائب وُصولًا إلى استباحة الأملاك البحرية والتعدّي على أملاك الدولة في الكثير من الأماكن، وما بينهما...

في الخلاصة، حان الوقت لأنّ يشعر موظّف الدولة بأنّ وظيفته مهمة ومنتجة وبأنّها محط تقدير من المواطنين وليست محط تشكيك وتهمة مُبطّنة بأنّها باب للرشوة! وحان الوقت لأن يلمس موظّف الدولة عمليًا بأن راتبه يكفيه لأن يعيش وعائلته حياة كريمة ولائقة. لكنّ تحقيق ما سَبق يستوجب إنجاز الكثير من الأمور، كما ذكرنا أعلاه، أو على الأقلّ الشروع في تنفيذها!.

النشرة المصدر: النشرة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا