لم يكن فجر الإثنين عاديًا في العرقوب ، بعدما كشف النقاب عن عملية "تسلّل" أقدمت عليها القوات الإسرائيلية، حين توغّلت وحدة منها إلى بلدة الهبارية في قضاء حاصبيا ، واختطفت عطوي عطوي ، أحد مسؤولي " الجماعة الإسلامية " في منطقتي حاصبيا ومرجعيون، ورئيس البلدية السابق، وهي عملية تكاد تصنَّف "الخرق الأخطر" منذ اتفاق وقف إطلاق النار، وبالحدّ الأدنى هي لا تشبه الخروقات اليومية التقليدية على الحدود.
وبقدر ما يُفترض أن تكون هذه الخروقات جزءًا من "إيقاع" ما بعد وقف الأعمال العدائية، الذي تعمّدت إسرائيل منذ يومه الأول على التعامل معه بمنطق "القوي المنتصر"، مكرّسة لنفسها ما يصفه رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو بـ"حرية الحركة" في لبنان ، فإنّ الأخطر في العملية ليس "نتيجتها" فحسب، بل "فلسفتها"، إذ بدا أنّ إسرائيل أرادت بهذه العملية نقل المواجهة خطوة إلى الأمام: من منطق الغارات والاغتيالات عن بُعد، إلى منطق "الخطف/الأسر" داخل القرى.
وعلى هامش هذه "الفلسفة"، يبدو أنّ العنصر الأشدّ دلالة ليس الحدث بحدّ ذاته، على الرغم من خطورته وحساسيّته، ولكن توقيته ومكانه. فقد جاءت العملية بعد ساعات من زيارة لرئيس الحكومة إلى الجنوب والعرقوب تحديدًا، بما يجعل العملية قابلة للقراءة كرسالة ميدانية مباشرة تسعى إلى كسر صورة "عودة الدولة" التي حاولت الزيارة تكريسها، علمًا أنّ الهبارية ليست بلدة على الخط الحدودي الأول، بل ضمن نطاق أبعد نسبيًا.
باختصار، يمكن القول إنّ العملية تستهدف فكرة "العمق الآمن" في المقام الأول، قبل أن تستهدف شخصًا بعينه، سواء كان عطوي عطوي أو غيره، وتقول إنّ التوغّل لم يعد محصورًا ببضعة أمتار عند الشريط الأمامي، وهو ما نبّه إليه " حزب الله " في تعليقه على ما اعتبر أنه "تطور خطير ينذر ببدء مرحلة جديدة"، مطالبًا الدولة بالتحرك السياسي والدبلوماسي والقانوني، وعدم الاكتفاء بالمواقف الكلامية. فكيف تُقرَأ الحادثة في سياقها العام، وأين تكمن خصوصيّتها؟.
دلالات الزمن والمكان
لعلّ ما يرفع حدث اختطاف مسؤول "الجماعة الإسلامية" في منطقة العرقوب عطوي عطوي من منزله في بلدة الهبارية، إلى مصاف "الاختبار السياسي-الأمني" إن صحّ التعبير، هو ثلاثية متداخلة: التوقيت الذي جاء بعد زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى الجنوب، وعشية استحقاقات مرتبطة بحصر السلاح، والمكان الذي يقع في "نسق ثانٍ" غير ملاصق للحدود، ثمّ خصوصية المستهدف بوصفه شخصية اجتماعية تنظيمية أكثر ممّا هي هدف عسكري كلاسيكي.
فعلى مستوى التوقيت، كان من البديهيّ ربط عملية الخطف بـ"النافذة الزمنية" التي فُتحت بعد جولة سلام في الجنوب، حيث قُدّمت العملية بوصفها ردًا على الزيارة التي تركت انطباعًا بأنّ الحكومة تحاول تثبيت حضورها في الجنوب كمساحة سيادية يجب أن تعود إلى كنف الدولة، لتأتي إسرائيل وتكسر الإيقاع بالمعنى الرمزي، عبر تكريس فكرة مضادة مفادها أنّ "اليد الطولى" لا تزال لها، وأنّ قدرتها على الحركة لا تتأثّر بالزيارات ولا بالتصريحات.
العنصر الثاني الذي يضخّم الحدث هو "الجغرافيا"، ولا سيما أن الهبارية تقع في قضاء حاصبيا ضمن نطاق العرقوب، وهي ليست بلدة على خط الحدود الأول، بل ضمن شريط أبعد نسبيًا. بهذا المعنى، تُقرَأ العملية كاختبار لمنظومة الرصد والانتشار، وكضربةٍ لمفهوم "العمق الآمن" الذي يفترض أن يتوافر نسبيًا بعيدًا عن الخط الحدودي المباشر. وهي أيضًا استثمار في تضاريس العرقوب (وديان، مسارات محدودة، نقاط مرتفعة) لإنتاج عملية مركّبة.
بهذه المعايير، يبدو أنّ إسرائيل لم تُرِد فقط "إظهار القدرة" على التوغّل، بل أرادت أن تقول شيئًا محددًا عن مرحلة ما بعد وقف النار: إنّ قواعد الاشتباك التي تُضبط بالخطابات والبيانات لا تمنعها من نقل المعركة إلى "داخل القرى"، وإنّ الضغوط يمكن أن تتخذ شكلًا أكثر تعقيدًا من الغارة: الذهاب إلى "صيد الأسرى" بدل الاكتفاء بالاستهداف عن بُعد، بهدف جمع معلومات وتحويلها إلى رافعة ضغط لاحقة.
خصوصيّة الاستهداف
عمليًا، يمكن فهم الاختطاف على أنه جزء من "توسيع بنك الأهداف"، فالعملية لا تستهدف "حزب الله" مباشرة، بل "الجماعة الإسلامية"، عبر خطف مسؤولها في المنطقة، وهو ما لا يمكن التعامل معه بوصفه هامشًا، فعطوي معروف بنشاطه الاجتماعي والإنساني، وتتجاوز رمزيته الموقع التنظيمي إلى حيثية أهلية واجتماعية، ما يضاعف أثر الصدمة في محيطه الذي لا ينظر إليه كـ"مقاتل ميداني" بقدر ما يراه مرجعية أهلية-تنظيمية.
وهنا، ثمّة سؤال يُطرَح: لماذا الخطف وليس الاغتيال؟
تستحضر في هذا السياق العديد من الفرضيات، لعلّ أهمها فرضية "الاستخبار"، بمعنى أنّ إسرائيل ترى في الجماعة لاعبًا قابلًا للتفعيل ميدانيًا في القطاع الشرقي، وبالتالي فإن الخطف يمكن أن يُفهم كأداة استخبارية لكشف شبكات ومسارات وبيئات دعم، إذ إنّ هذا النوع من العمليات يتيح لإسرائيل، إن أرادت، تحويل التحقيق إلى ورقة ضغط، وربما "مسرحة" إعلامية لاحقة على طريقة “اعترافات” أو تسريبات، بصرف النظر عن دقتها.
وبالحديث عن خصوصية الاستهداف، لا يمكن إغفال الرسائل التي توجّهها العملية إلى بيئة العرقوب، وهي بيئة سنّية-مختلطة تختلف عن جغرافيا نفوذ "حزب الله" التقليدية. بهذا المعنى، فإنّ اختطاف مسؤول في الجماعة هنا يمكن أن يُقرأ كرسالة تقول إن إسرائيل لا تقصر الضغط على طرف واحد، خصوصًا أن وجود الجماعة في العرقوب يمنحها تماسًا اجتماعيًا مباشرًا مع القرى التي لطالما اعتُبرت خارج مركز الثقل الشيعي جنوبًا.
لماذا "الجماعة الإسلامية" الآن؟
لفهم حساسية الاستهداف، لا بد من وضع "الجماعة الإسلامية" في لبنان ضمن سياق تاريخي وسياسي ــ عسكري أوسع. فالجماعة ليست طارئة على فكرة المواجهة مع إسرائيل، باعتبار أنّ تاريخ " قوات الفجر " الذي برز في صيدا خصوصًا بعد الاجتياح الإسرائيلي، يعكس مسارًا عسكريًا عمل في مراحل عديدة ضمن خلايا سرية وعمليات استهدفت دوريات إسرائيلية، قبل أن تتبلور الجماعة سياسيًا وتنظيميًا كطرف له امتداد اجتماعي.
لكن الأهم من كل ذلك يبقى دور الجماعة الإسلامية نفسه في جنوب لبنان خلال الفترة الماضية. فالجماعة لم تكن بعيدة عن مسار الاشتباك منذ 8 تشرين الأول 2023، وقد ظهر ذلك عبر بيانات تبنٍّ لعمليات قصف صاروخي من القطاع الشرقي باتجاه شمال فلسطين المحتلة ، ما جعلها في دائرة الاستهداف الإسرائيلي أكثر من مرة، وإن بأشكال مختلفة. لذلك يصبح الخطف بذاته جزءًا من أدوات إدارة الميدان، لا مجرد وسيلة لإزالة تهديد آني.
من البترون إلى الهبارية... نمط يتكرّر
إذا كانت عملية الهبارية تُقدَّم كأولى "عمليات الخطف" البارزة بعد وقف إطلاق النار، فهي ليست سابقةً مطلقة في الأشهر الأخيرة. المثال الأوضح يبقى عملية البترون في تشرين الثاني 2024 حين قامت القوات الإسرائيلية بإنزال بحري انتهى بخطف شخص من شاليه ساحلي في عمق الشمال اللبناني، وهي حادثة أحدثت صدمة لأنها كسرت قاعدة "الجبهة الجنوبية" ونقلت فكرة التوغّل إلى جغرافيا بعيدة عن خطوط الاشتباك التقليدية.
بين العمليتين، يبرز خيط مشترك: إسرائيل تختبر القدرة على "نقل المعركة" حيث تريد، وتُراكم سابقة فوق سابقة كي لا يبقى التوغّل حدثًا استثنائيًا، بل يتحول إلى خيار ضمن صندوق أدواتها. فإذا كانت حادثة البترون قد بدت حينها "عملية خاصة نادرة"، فإن تكرار المنطق في العرقوب يوحي بمحاولة تثبيت سابقة الخطف كأداة من أدوات إدارة الاشتباك القائم اليوم، ويعيدنا إلى الإشكالية نفسها: ما الذي يردع تكرارها مرة أخرى؟.
ما الذي يتغير بعد الهبارية؟
لا تُقاس عملية الهبارية بكونها "الأخطر" وحسب، بل بكونها تُدخل لبنان في مرحلة اختبار جديدة: هل يُترك ملف الجنوب لآلية شكاوى وإدانة، أم تُبنى مقاربة أمنية-سياسية تُقلّص هامش المفاجأة وتعيد تعريف الانتشار والحماية في قرى النسق الثاني قبل الأول؟.
في المدى القريب، ستسعى إسرائيل إلى استثمار العملية استخباريًا وإعلاميًا، فيما ستبحث الدولة عن سبل ضغط دبلوماسي عاجل. لكن ما لم يتحول الحدث إلى نقطة انعطاف في إدارة الأمن الحدودي، رصدًا واستجابةً واشتباكًا سياسيًا مع "قواعد ما بعد وقف النار"، فسيبقى السؤال مفتوحًا: هل ما جرى في الهبارية هو "عملية نوعية" عابرة، أم الحلقة الأولى في نمطٍ جديد عنوانه "صيد الأسرى" بدل الاكتفاء بالغارات؟.
المصدر:
النشرة