هل كان النواب الذين يعارضون نهج الرئيس
نبيه بري في إدارة الجلسات النيابية يتوقعون نتيجة مغايرة عمّا كانوا يأملونه لجهة إقرار التعديلات، التي كانوا يطالبون بها بالنسبة إلى ضرورة إشراك المغتربين في العملية الانتخابية مثلهم مثل أي لبناني مقيم، أي أن يختاروا الـ 128 نائبًا، كل في دائرته الانتخابية؟
فمنذ اليوم الأول على إصرار
بري على إجراء الانتخابات النيابية وفق القانون الحالي النافذ فهِم الذين من الإشارة يفهمون أن سعيهم لإحداث الفرق في التغيير المطلوب في "البلوكات المقفلة" كـ "بلوك" الثنائي الشيعي" لن يتحقّق إلا إذا شارك المغتربون بكثافة لنوابهم الـ 128، وليس للنواب الستة في الدائرة 16. وهذا الإصرار قد أثمر على ما يبدو إقصاء للصوت الاغترابي بعدما أصبحت أبواب مجلس النواب مقفلة أمام أي تعديل. وقد يكون حسم موعد الاستحقاق النيابي في تاريخه المحدّد، أي في 1 و3 و10 أيار المقبل من قِبل الرئيس
بري "ضربة معلم"، وذلك نظرًا إلى صعوبة تأمين مشاركة كثيفة للمغتربين في هذا التوقيت بالذات، لأن ظروف أغلبيتهم لا تسمح لهم بالمجيء إلى
لبنان في أيار بسبب ارتباطهم بمواعيد تفرضها عليهم طبيعة عملهم في الخارج. وبهذا يكون الرئيس بري قد ضمن عدم إحداث أي خرق في "بلوك الثنائي الشيعي".
وبهذا الحسم من قِبل الرئيس بري، معطوفًا على إصرار رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون على إجراء الانتخابات في موعدها الدستوري، يمكن القول إن تأجيلها قد أصبح فعلًا ماضيًا ناقصًا. وعليه فإن القوى السياسية بدأت جدّيًا مرحلة الاستعداد لخوض معركة انتخابية معروفة النتائج مسبقًا بنسبة تسعين في المئة، وأن شكل التحالفات بين الحلفاء من جهة، وحتى بين الخصوم السياسيين أنفسهم، بدأ يتبلور شيئًا فشيئًا، بحيث يُتوقع أن يشهد شهرا آذار ونيسان المقبلان تحركات مكثفة في اتجاه القواعد الناخبة، في سعي آحادي أو ثنائي أو ثلاثي من المحتمل أن يبلغ ذروته في عملية تحشيد القواعد الشعبية من خلال تبني شعارات تحاكي الغرائز أكثر مما تحاكي العقول ببرامج واضحة وشفافة.
فبعد هذا الحسم مع الإصرار على رفض الدعوة إلى جلسة تشريعية لتعديل المواد المختلف عليها، ولا سيما المادة 112، انتقل النقاش من سؤال الموعد إلى سؤال أخطر له علاقة بكيفية تطبيق القانون نفسه؟
المعضلة هنا ليست تقنية، بل دستورية بامتياز. فالقانون الانتخابي ليس قائمة خيارات يمكن انتقاء ما يناسب منها وترك ما لا يناسب. منطق الدولة يقول إن القانون وحدة متكاملة، بحيث يُطبَّق كما هو، أو يُعدَّل عبر البرلمان، أو يُعلَّق بقرار تشريعي واضح. أما تطبيق بعض مواده وإهمال أخرى بحكم الأمر الواقع، فهو سابقة تضرب مبدأ الشرعية من جذوره.
فحسم الموعد من قبل الرئيس بري يهدف بوضوح إلى منع الفراغ التشريعي وإسقاط أي ذريعة لتأجيل الانتخابات. هذه نقطة تُحسب لصالح انتظام الحياة الدستورية. لكن الإصرار على الموعد لا يُلغي التناقضات داخل الحكومة نفسها، ولا يذيب الخلاف حول مواد أساسية في القانون. وهنا يدخل لبنان مرة جديدة منطقة رمادية بين النص الدستوري والتسوية السياسية.
ووفق بعض القراءات السياسية فإن السيناريو الأكثر واقعية لا يكون بإلغاء المواد المختلف عليها رسميًا، بل ما يمكن تسميته "التجميد العملي"، أي إدارة الانتخابات وفق تفسير إداري – سياسي يسمح بتجاوز العقد، من دون تعديل تشريعي صريح. هذا الأسلوب ليس جديدًا في الحياة السياسية
اللبنانية ، لكنه يحمل ثلاثة مخاطر متلازمة.
أولًا، الخطر القانوني: إن أي جهة متضررة تستطيع الطعن بالنتائج أمام المجلس الدستوري بحجة عدم تطبيق القانون كاملًا. وهذا يفتح الباب أمام أزمة شرعية بعد الانتخابات بدلًا من أن تكون الانتخابات مدخلًا للاستقرار.
ثانيًا، الخطر السياسي: عندما يشعر جزء من القوى السياسية بأن القانون طُبّق انتقائيًا، تتحول الانتخابات إلى مادة نزاع بدلًا من أن تكون آلية لحسم ديمقراطي. عندها تصبح النتائج نفسها موضع شك، لا مجرد تفاصيل تقنية.
ثالثًا، الخطر الدستوري: تكريس عرف خطير مفاده أن القوانين تُطبّق وفق ميزان القوى السياسي لا وفق النص. وهذا أخطر من أي مادة انتخابية خلافية، لأنه يضرب فكرة الدولة القانونية.
المفارقة هنا أن الجميع يعلن تمسكه بإجراء الانتخابات في موعدها، لكن القليل فقط يتحدث عن سلامة الإطار القانوني الذي ستجري على أساسه، وكأن المطلوب عبور الاستحقاق بأي ثمن، حتى لو كان الثمن مزيدًا من تآكل الثقة بالمؤسسات.
فلبنان اليوم أمام اختبار دقيق يتعلق بالقدرة على إجراء انتخابات تحترم الشكل والمضمون معًا. لكن المعروف واستنادًا إلى التجربة اللبنانية ان السياسة غالبًا ما تنتصر على النص، لكن كل انتصار من هذا النوع يترك جرحًا إضافيًا في جسد الدولة.
الانتخابات ليست مجرد موعد. هي لحظة قياس لعلاقة اللبنانيين بالقانون نفسه. فإذا جرت وفق منطق "ما يمكن تطبيقه نطبقه، وما لا يمكن نتجاوزه"، نكون أمام اعتراف ضمني بأن الدولة لم تعد قادرة على فرض نصوصها، بل تفاوض عليها. وهذه ليست مشكلة انتخابية فقط، بل مشكلة جوهرية تتعلق بالتركيبة الهشّة التي تقوم عليها الدولة.