آخر الأخبار

البعد الدولي-صراع الأجندات بين الميكانيزم ومؤتمر باريس (2)

شارك

تتقاطع زيارة قائد الجيش ال لبنان ي رودولف هيكل لواشنطن مع حراك دولي كثيف تقوده فرنسا، وسط تجاذب خفي مع الولايات المتحدة حول "من يمسك بملف لبنان" فهل يكون مؤتمر باريس المزمع انعقاده في الخامس من آذار المقبل طوق النجاة أم قاعة الانتظار؟.

في هذا السياق، تستعد العاصمة الفرنسية لاستضافة مؤتمر دولي لدعم الجيش اللبناني، برئاسة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وبحضور ممثلين عن 50 دولة و10 منظمات دولية. وتبدو الأهداف المعلنة لهذا المؤتمر، توفير شبكة أمان مالي ولوجستي للجيش وقوى الأمن الداخلي، وتغطية العجز في الرواتب، وتأمين معدات غير قتالية (وقود، طبابة، أغذية).

أمّا لجهة الرؤية الفرنسية فتسعى باريس، من خلال وزير خارجيتها جان نويل بارو ومبعوثها جان إيف لودريان ، إلى جعل المؤتمر رافعة سياسية لتمكين الجيش اللبناني من لعب دور "باني الدولة" لأنها ترى أن دعمه هو المدخل الوحيد للحفاظ على ما تبقى من الهيكل اللبناني ومنع الفوضى الشاملة.

ولا يقتصر الامر على الدور المصري والقطري حيث تلعبان دوراً محورياً في التحضير لهذا المؤتمر. فالقاهرة تضغط لنجاحه كجزء من أمنها القومي العربي، بينما توفر الدوحة التعهدات المالية "الكاش" (Salaries and Fuel) التي تعجز الدول الغربية عن تقديمها بمرونة.

"الميكانيزم" ساحة الاشتباك الأميركي-الفرنسي

ولكن... خلف واجهة التعاون، يدور صراع نفوذ شرس حول "اللجنة التقنية العسكرية للبنان" (Military Technical Committee for Lebanon-MTC4L) أو ما يعرف بـ "الميكانيزم". وطبيعة الخلاف برزت بعد أن تأسست هذه اللجنة لمراقبة وقف الأعمال العدائية وتنفيذ القرار 1701. لأنّ واشنطن تريد حصرها في إطار "عسكري-أمني" ثلاثي (أميركي- إسرائيل ي-لبناني) بقيادة جنرالات، لضمان الفعالية والسرعة وتنفيذ الأجندة الإسرائيليّة في المراقبة الصارمة. في المقابل، تصر باريس على توسيع اللجنة لتشمل "مكوناً مدنياً سياسياً" (بمشاركة دبلوماسيين) وتوسيع عضويتها لتشمل دولاً أخرى، بهدف تخفيف الهيمنة الأميركية-الإسرائيلية وإدخال مرونة سياسية. وقد أدى هذا التباين إلى تجميد اجتماعات اللجنة مطلع العام الجاري، حيث رفضت واشنطن وتل أبيب مشاركة المبعوث الفرنسي بصلاحيّات واسعة. مما انعكس سلباً على الأرض، ممّا جعل آلية فض النزاع الفعالة تغيب او تتباطأ، الأمر الّذي قد يزيد من خطر الاحتكاك اليومي بين الجيش اللبناني والقوات الإسرائيلية. وفي هذا المجال علمت "النشرة" أن قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل ناقش في واشنطن سبل إعادة تفعيل اللجنة، مقترحاً صيغاً وسطية تضمن الفعالية الأمنية دون استبعاد الدور الفرنسي الضروري للغطاء السياسي الأوروبي.

الجبهة الشرقية وتداعيات "زلزالية"؟

في سياق منفصل شغل ملف الحدود الشرقية مع سوريا حيزاً كبيراً في محادثات واشنطن، نظراً للمتغير الجيوسياسي الهائل المتمثل في سقوط نظام الرئيس بشار الأسد في كانون الاول 2024 وصعود حكومة انتقالية برئاسة أحمد الشرع (الجولاني). ومع "سوريا الجديدة" وتغير وظيفة الحدود، برزت مشكلة الحماية الحدودية للمساحات الشاسعة بين لبنان وسوريا، والتي لطالما كانت الحدود اللبنانية-السورية في عهد الأسد "رئة استراتيجية" وخط إمداد مفتوح ل حزب الله . ولكن مع النظام الجديد، انقلبت المعادلة وقُطعت خطوط الإمداد. والحكومة الانتقالية في دمشق، الساعية لنيل الاعتراف الدولي ورفع العقوبات، بدأت بضبط الحدود ومنع تدفق السلاح، مما حول سوريا من "حليف ظهير" إلى "جار حذر" أو حتى "معادٍ" لطموحات حزب الله العسكرية.

وظهرت مخاوف جديدة من تسلل جماعات مسلحة غير منضبطة (بقايا النظام السابق، جماعات متطرّفة، مهربين) من سوريا الفوضويّة إلى الداخل اللبناني، مما يهدّد بنقل عدم الاستقرار إلى البقاع والشمال.

اتفاقية السجناء قنبلة موقوتة أم حل ضروري؟

وفي خضم هذه التحولات، وقّع لبنان وسوريا اتفاقية قضائية لنقل حوالي 2500 سجين سوري من السجون اللبنانية (التي تعاني من اكتظاظ كارثي بنسبة 300%) لإكمال محكوميتهم في سوريا. يشمل الاتفاق المحكومين بجرائم جنائيّة، بينما يتم درس ملفات الموقوفين الأمنيين بدقّة.

ويثير هذا الاتفاق مخاوف أمنيّة من احتمال "تسرب" هؤلاء السجناء أو إطلاق سراحهم في سوريا، ليعودوا إلى لبنان عبر المعابر غير الشرعية كعناصر قتاليّة أو إجراميّة. لذا، طلب الجيش اللبناني من واشنطن دعماً تقنياً لضبط الحدود (Towers and Drones) لمنع العودة غير الشرعية. وبين احتياجات ضبط الحدود واستعمال التكنولوجيا بديلاً عن الجغرافيا قدم الوفد اللبناني في البنتاغون أيضًا قائمة احتياجات عاجلة لتعزيز أفواج الحدود البرية الأربعة:

*أبراج المراقبة والمسيرات: الحاجة لتوسيع شبكة أبراج المراقبة (المدعومة بريطانياً وأميركياً) لتشمل رادارات كشف الأفراد والآليات الصغيرة، وطائرات مسيرة تكتيكية لمراقبة المسالك الجبليّة الوعرة التي لا يمكن تغطيتها بصرياً.

*التمويل: ربطت واشنطن تمويل هذه المنظومات بضمانات ألاّ يتم استخدامها أو اختراقها من قبل حزب الله، وأن تكون البيانات (Data) مشتركة أو متاحة للمراقبين الدوليين. وكان ملف التسليح والمساعدات بين الطموح والواقع الفعلي.

5.1 المروحيات والمعدات: تعزيز "القدرات المحددة"

وشهدت الزيارة احتفاءً بتسليم دفعات من المروحيات، لكن التدقيق في التفاصيل يكشف عن "سقف" التسليح الأميركي للبنان عبر الروحيّات والمعدات لتعزيز "القدرات المحددة":

* مروحيات:MD-530F+تسلم لبنان 6 مروحيات من طرازMD-530F+Little Bird. هذه المروحيات، رغم فعاليتها في الدعم الجوي القريب (Close Air Support) ومكافحة الإرهاب، تعتبر "خفيفة" جداً مقارنة بالمروحيات الهجومية الثقيلة مثل "أباتشي" التي تمتلكها إسرائيل أو دول الجوار. وهي مخصصة لـ "حروب العصابات" وضبط الحدود، وليس للدفاع الوطني ضد جيوش نظامية.

* التجهيزات: تم تزويد هذه المروحيات بصواريخ موجهة بالليزر (APKWS) وأنظمة رؤية ليلية حديثة، مما يعطي الجيش "أعيناً" في الليل، وهي ميزة تفاضلية مهمّة ضد المهربين والمجموعات المتسللة.

* الفجوة النوعية: الطلبات اللبنانية للحصول على منظومات دفاع جوي أو رادارات بعيدة المدى جوبهت بالرفض أو التجاهل المعتاد، التزاماً بمبدأ الحفاظ على التفوق النوعي العسكري الإسرائيلي (QME).

أزمة رواتب العسكريين

وفي ظل الانهيار الاقتصادي، تحول "راتب الجندي" اللبناني إلى مسألة أمن قومي. لذلك فإنالدعم القطري والأميركي سيكون معتمداكما هو حالياً بشكل شبه كلي على "المساعدات النقدية" (Cash Assistance) المقدّمة من صندوق تشارك فيه قطر والولايات المتحدة. وقد جددت قطر منحتها البالغة 60 مليون دولار سنوياً لتوفير 100 دولار إضافية لكل عسكري، بينما تقدّم واشنطن دعماً لوجستياً (وقود، قطع غيار) يوفر على الميزانية تكاليف تشغيلية هائلة.

وقد حذر العماد هيكل في واشنطن من أن أي توقف لهذا الدعم سيؤدّي فوراً إلى انهيار المؤسسة العسكريّة وفرار الآلاف من العناصر، مما سيترك الساحة مفتوحة للميليشيات التي تدفع بالدولار.

الانحناء للعاصفة أم المواجهة؟

في سياق متّصل يواجه حزب الله ضغوطاً غير مسبوقة: خسارة العمق السوري، الضربات الإسرائيلية المتواصلة، والضغط الداخلي المتزايد. موقفه من خطة "شمال الليطاني" من حيث الرفض الّذي قد يكون تكتيكياً للتفاوض، وليس نهائياً. وهو يدرك أن الصدام مع الجيش في هذه اللحظة هو "انتحار سياسي"، لذا قد يلجأ إلى "الانسحاب غير المرئي" كإخفاء السلاح بدل تسليمه لتجنب المواجهة، وهو ما يعقّد مهمة الجيش اللبناني في التحقق.

6.2 الموقف الأميركي: استراتيجية "الخنق الناعم"

ولا بد من الاشارة الى أن إدارة الرئيس الاميركي دونالد ترامب وإدارات الأمن القومي تتبنى استراتيجية "الخنق الناعم"، بدلاً من الدفع نحو حرب داخليّة فورية، حيث تعمل واشنطن على:

1- تقوية الجيش ليصبح البديل الجاهز.

2- خنق حزب الله مالياً عبر العقوبات وضبط المعابر.

3- سحب البساط الجغرافي من تحته تدريجياً (جنوب الليطاني، ثم الشمال). زيارة هيكل كانت لتثبيت هذه الاستراتيجية وتوفير الأدوات اللازمة لها، مع التلويح بالعصا ( ليندسي غراهام ) لمنع أي تراخٍ لبناني.

وبالرغم من الصعوبات فإن نجاح زيارة واشنطن سيعطي ضوءاً أخضر للدول المترددة للمشاركة في مؤتمر باريس. والرسالة الأميركية للحلفاء ستكون: "ادعموا الجيش اللبناني، ولكن ابقوا أعينكم مفتوحة على الأداء". إذ من المتوقع أن يخرج المؤتمر بتعهدات ماليّة كافية لتمرير عام 2026، لكن دون حلول جذرية للأزمة الاقتصادية الهيكلية.

الجيش في عين العاصفة

تخلص هذه القراءة التحليلية إلى أن زيارة العماد رودولف هيكل إلى واشنطن لم تكن مجرد رحلة دبلوماسية، بل كانت عمليّة "إعادة تموضع" للجيش اللبناني ضمن الاستراتيجية الأميركية الجديدة في الشرق الأوسط. عاد القائد بجرعات دعم ضرورية لبقاء المؤسسة (مروحيات، مال، غطاء سياسي)، لكنه عاد أيضاً بأثقال التزامات ضخمة (شمال الليطاني، ضبط الحدود، الشفافية المطلقة).

والأشهر القادمة ستكون حاسمة؛ فقدرة الجيش على الموازنة بين "المطرقة الأميركية" (التي تطلب نتائج فورية) و"السندان الداخلي" (حزب الله والتوازنات الطائفية) ستحدد ليس فقط مستقبل المؤسسة العسكرية، بل مستقبل الكيان اللبناني برمّته. الجيش اليوم هو "المؤسّسة الأخيرة الواقفة"، وسقوطها أو انقسامها يعني دخول لبنان في المجهول المطلق.

النشرة المصدر: النشرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا