كثيرون حاولوا، ويحاولون وسيحاولون، تحليل ما قاله الربُّ يسوع المسيح . منهم مَن يحاول أن يُسقط على كلمات الربِّ فلسفته الشخصيَّة، ومنهم مَن يأخذ كلماته إلى مكان آخر لا علاقة له بما عناه الربُّ، ومنهم مَن تستسيغُه أمثال يسوع وخطبه وعظاته، ولكن يبقى كمَن يقرأ قصيدة أو نصًّا أدبيًّا جميلًا فيصف يسوع بصفات جميلة متعدِّدة إلّا الصفة الأساسيَّة والجوهريَّة، ألا وهي طبيعته الإلهيَّة، أي هو الإله المتجسِّد لخلاص البشريَّة، وغير المنفصل عن الآب والروح القدس، وهم واحد في الجوهر الإلهيِّ. وهناك من عرفه واتّحد به وتقدّس.
مَن يراجع تاريخ المسيحيَّة والإيمان المسيحيّ ككلٍّ، والعقائد والمجامع وعظات الآباء القدِّيسين وتعاليم الكنيسة وليتورجيَّتها وفنّها، يجد أنَّ جوهر المسيحيَّة الأساسيَّ هو التجسُّد الإلهيُّ والثالوث القدُّوس.
يخطئ مَن يظنُّ أنَّ هذين الأمرين هما نتيجة تفسيرات بشريَّة صرف أو إضافات من الكنيسة، على العكس تمامًا هما ما نطق به يسوع شخصيًّا، وكانت ألوهيَّته صدامًا مع مَن رفضها من اليهود، وسبب محاكمته، متَّهمين إيَّاه بالتجديف لأنَّه جعل نفسه مساويًا للَّه: «فمن أجل هذا كان اليهود يطلبون أكثر أن يقتلوه، لأنَّه لم يَنْقُض السبت فقط، بل قال أيضًا إنَّ الله أبوه، معادلًا نفسه بالله» (يوحنَّا 5: 18).
مصدر الصورة
ينسى المعترضون أنَّ يسوع هو مَن كشف عن ألوهيَّته بأحداث مختلفة مثل التجلِّي بالإضافة إلى اجتراحه العجائب وإقامته للموتى، وهو يدعونا كما دعا تلاميذه إلى التعرُّف إليه على حقيقته الإلهيَّة، عندها نقول كما قال بطرس الرسول للربِّ: «يا ربُّ، إلى مَن نذهب؟ كلام الحياة الأبديَّة عندك» (يوحنَّا 6: 68).
هنا نسأل: «ما معنى الحياة الأبديَّة؟».
الحياة هي التحرُّر من كلِّ ما يميت الإنسان، وليس المقصود الموت الجسديّ وإنَّما الموت الروحيّ، وتحديدًا الانفصال عن مصدر الحياة، الربِّ يسوع المسيح الَّذي هو الحياة.
التحرُّر هو مسيرة جهاد وثبات وتوبة وصلاة ورجوع إلى الذات، وهذا تمامًا ما يدخلنا إليه زمن التوبة – التريودي- الَّذي نعيشه لبلوغ القيامة المجيدة. فهو يبدأ مع أحد الفرِّيسيِّ والعشَّار وينتهي مع سبت النور استعدادًا للفصح المجيد.
فالتريودي زمن خشوعيٌّ بكلِّ معنى الكلمة، مليء بالصلوات والتراتيل، يخلع فيه المرء كلَّ ما هو دخيل على الإنسان الَّذي خلقه الله على صورته النقيَّة.
الإنسان أيقونة بهيَّة يظلمها عشق الخطيئة، لأنَّ الخطيئة هي الظلام الَّذي هو انعدام النور. لهذا يأخذ الإنسان في التريودي قرارًا شاطرًا وشجاعًا في الانفصال عن الخطيئة والسير نحو النور تمامًا كما فعل الابن الشاطر. لهذا خصَّصت الكنيسة الأحد الثاني من المرحلة الأولى من التريودي – التهيئة - لمثل الابن الشاطر، الابن الَّذي أُعمِيَ قلبه بالتكبُّر والشهوات والملذَّات وشطر قلب أبيه فخرج ورحل من منزله الأبويِّ معتقدًا أنَّه سيعيش حرِّيَّته كما تصوَّرها، فانتهى به المطاف مفلسًا عريانًا يرعى الخنازير ويشتهي مأكلهم الخرنوبيَّ. على الرغم من ذلك، نراه ينهض وينفض عنه لباس الخطيئة ويقرِّر أن يعود إلى منزله الأوَّل تائبًا ونادمًا ومستعدًّا لأن يُعتبر كأحد أجراء أبيه. فكان قرارًا مليئًا بالشطارة أي ألَّا يقبع في منزل الشيطان.
هنا الجمال وصورة الآب السماويِّ الحقيقيِّ الَّذي كان ينتظر ابنه العائد فركض نحوه وعانقه وأعاد له بنوَّته. هذا معناه أنَّ صورة الله فينا لا تموت مهما كثرت الخطايا، قد تظلم ولكن لا تموت. فما أن نقرِّر أن نخلع عنَّا الأوساخ يعدّ لنا صورتنا الأولى.
اللقاء بين الأب المنتظر والمحبِّ وبين الابن العائد التائب هو دعوة مستمرَّة لكلِّ واحد منَّا كي لا نيأس من أنفسنا ولا من الآخرين.
يسوع معنا دائمًا، فهو أتى ليتَّحد بنا ويقول لنا: أنتم أولادي بالنعمة ومغفورة لكم خطاياكم إن تبتم بصدق.
ومَن هو الَّذي يغفر لنا الخطايا ويريد أن يضمَّنا إلى صدره؟ هو الإله المتجسِّد الربُّ يسوع المسيح.
إلى الربِّ نطلب.
المصدر:
النشرة