آخر الأخبار

قراءة استراتيجية شاملة لزيارة العماد هيكل إلى واشنطن وانعكاساتها على مستقبل السيادة الوطنية (1)

شارك

يشهد لبنان في الربع الأول من عام 2026 تحولات دراماتيكية تعيد تشكيل موقعه الجيوسياسي ودور مؤسساته الأمنية، وتحديداً المؤسسة العسكرية، في ظل مشهد إقليمي شديد الاضطراب. تأتي زيارة قائد الجيش اللبناني، العماد رودولف هيكل ، إلى الولايات المتحدة الأميركية في مطلع شباط الجاري، كحدث محوري يتجاوز في دلالاته البروتوكولية والأمنية حدود العلاقات الثنائية التقليدية، ليمس جوهر العقيدة الأمنية اللبنانية ومستقبل التوازنات الداخلية والإقليمية. تتزامن هذه الزيارة مع متغيرات جذرية، أبرزها انتخاب العماد جوزاف عون رئيساً للجمهورية، مما أضفى زخماً سياسياً جديداً على دور الجيش، وسقوط نظام الرئيس بشار الأسد في سوريا في كانون الثاني 2024، ما خلق واقعاً أمنياً جديداً على الحدود الشرقية.

قبل الدخول في عمق هذه الزيارة وتشريح شيفراتها الّذي يتطلب تفكيكاً عميقاً للملفات الشائكة التي حملها العماد هيكل في جعبته، بدءاً من خطة "درع الوطن" لنزع السلاح، مروراً بالتجاذبات الدولية حول "آلية الميكانيزم" ومؤتمر باريس المرتقب، وصولاً إلى التحديات المستجدة على الحدود السوريّة. ونظرًا لتشعّب وتعدّد الملفات أرى لزامًا أن أقدم مسحاً شاملاً وتحليلاً معمقاً لهذه الملفات، مستنداً إلى المعطيات الراهنة ومستشرفاً السيناريوهات المستقبلية في مقالات عدّة.

"الرسائل القاسية" و"الاحتضان المشروط"

لم تكن طريق العماد هيكل إلى واشنطن مفروشة بالورود؛ فالسياق الذي سبق الزيارة كان مشحوناً بالرسائل الدبلوماسية العنيفة. ففي تشرين الثاني من عام 2025، وقبل ساعات من موعد سفره المقرر آنذاك، ألغت الإدارة الأميركية الزيارة بشكل مفاجئ. هذا الإلغاء لم يكن مجرد تأجيل لوجستي، بل كان "فيتو" سياسياً ورسالة تحذيريّة شديدة اللهجة للسلطة السياسية والعسكرية في لبنان. والسبب المباشر كان بياناً صادراً عن قيادة الجيش انتقدت فيه الاعتداءات الإسرائيلية بلهجة اعتبرتها واشنطن وبعض صقور الكونغرس "تجاوزاً للخطوط الحمراء" ومحاولة للتماهي مع خطاب "قوى الممانعة"، على الرغم من أنه لم يكن بجديد على قيادة الجيش اللبناني بتوصيف ما تقوم به إسرائيل من ضربات واحتلال للاراضي اللبنانيّة وانتهاك أجواء لبنان الا باعتداءات وهذه هي الحقيقة شاء من شاء وأبى من أبى.

بيد أن إعادة جدولة الزيارة في الفترة ما بين 3 و5 شباط 2026، وإتمامها بجدول أعمال مكثف، يشير إلى نجاح قنوات الاتصال الخلفية في احتواء الأزمة، وتغليب "البراغماتية العسكريّة" في البنتاغون على "الأيديولوجية السياسية" في الكونغرس. حيث أدركت واشنطن أن عزل الجيش اللبناني، المؤسسة الوحيدة المتبقية كضامن للاستقرار في ظل تآكل مؤسسات الدولة، قد يؤدي إلى نتائج عكسية تخدم خصوم الولايات المتحدة. ومع ذلك، فإن الزيارة الجديدة لم تأتِ كـ "جائزة ترضية"، بل كمنصّة لفرض شروط جديدة وربط المساعدات بما اصطُلِح على اعتباره بـ"إنجازات ملموسة" على الأرض، وتحديداً في ملف سلاح حزب الله .

تشريح مراكز القرار الأميركي

تميز جدول زيارة العماد هيكل بالشمولية، حيث غطى المثلث الاستراتيجي لصناعة القرار الأميركي: البنتاغون (العسكر)، الكونغرس (التمويل والتشريع)، والبيت الأبيض-الخارجية (السياسة).

أ. وزارة الدفاع (البنتاغون)

في البنتاغون، التقى قائد الجيش بشخصيات محورية تدير الملفات العسكرية في الشرق الأوسط.

مايكل دومينو (منسق الشرق الأوسط) حيث تركز النقاش هنا على الجانب العملياتي البحت. طُلب من الجانب اللبناني تقديم "خريطة عسكرية واضحة" (Military Roadmap) لما تم تنفيذه جنوب الليطاني وما تبقى من عوائق.1 ولم يكن النقاش حول "النوايا" بل حول "القدرات" و"الإثباتات".

دانيال زيمرمان (مساعد وزير الدفاع لشؤون الأمن الدولي) وقد تناول البحث خلال اللقاء الآليات اللوجستية لاستمرار الدعم، وكيفية مواءمة المساعدات الأميركيّة مع العقيدة القتالية الجديدة للجيش التي تركز على "حرب الحدود" و"مكافحة التمّرد" بدلاً من الدفاع التقليدي.

● الجنرال دان كين (رئيس هيئة الأركان المشتركة) وقد كان اللقاء مع القيادة العسكريّة العليا الّذي هدف إلى تأكيد الشراكة المؤسساتية بين الجيشين، وفصل مسار التعاون العسكري عن التقلبات السياسية، وهو ما يعتبر "شبكة الأمان" الأساسية للجيش اللبناني.

ب. وزارة الخارجية والبيت الأبيض

اللقاءات السياسية عكست التوجهات الجديدة لإدارة الرئيس دونالد ترامب ، التي تميل إلى "الصفقات" والنتائج المباشرة.

مسعد بولس (كبير مستشاري الرئيس ترامب) وقد شكّل اللقاء مع الشخصية اللبنانية-الأميركية المؤثرة في الدائرة الضيقة لترامب، ذروة الزيارة السياسية. بولس يمثل "قناة الاتصال المباشرة" التي تتجاوز البيروقراطية التقليدية. الرسالة التي تلقاها هيكل كانت واضحة: الدعم الأميركي باقٍ، لكنه ليس شيكاً على بياض؛ هو استثمار يتطلب عائداً يتمثل في بسط سيادة الدولة وتقليص نفوذ إيران.

فريد وايت (مساعد وزير الخارجية للشؤون السياسية والعسكرية) ناقش مع العماد هيكل الإطار القانوني للمساعدات وكيفية تذليل العقبات التشريعية التي قد يضعها الكونغرس.

● سيباستيان غوركا ومجلس الأمن القومي المعروف بتشدده تجاه الإسلام السياسي والجماعات المسلحة، ركز على ملفات "مكافحة تمويل الإرهاب" وتجفيف منابع الدعم المالي لحزب الله، وهي مقاربة أميركية تركز على "الخنق الاقتصادي" الموازي للضغط العسكري.

ج. الكونغرس مواجهة ومساءلة

كانت أروقة الكونغرس الساحة الأصعب للعماد هيكل، حيث واجه استجوابات قاسية تعكس انقساماً في الرؤية الأميركية تجاه لبنان.

● حادثة السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام المتطرّف حيث كان اللقاء معه الأكثر توتراً. فغراهام، الذي قاد حملة إلغاء الزيارة السابقة، أنهى الاجتماع بشكل مفاجئ بعد سجال حول تصنيف حزب الله. فقد سأل غراهام العماد هيكل مباشرة: "هل تعتبر حزب الله منظمة إرهابية"؟ وجاء رد قائد الجيش ملتزماً بالقانون اللبناني والواقع السياسي ("لا، ليس في السياق اللبناني"). هذا الردّ أثار حفيظة الموتور غراهام الذي اعتبر أن استثمار دافعي الضرائب الأميركيين في الجيش اللبناني "غير مجدٍ" إذا لم يتبنَّ الجيش التصنيف الأميركي للعدو.

● لجان القوات المسلحة والاستخبارات اضافة الى اجتماعات أخرى مع نواب مثل غريغوري ميكس وبراين ماست ودارين لحود ركزت على الجدوى المالية للمساعدات (Financial aspects of aid). وقد طلب النواب ضمانات بأن المعدات الأميركية لن تقع بيد حزب الله، وتقارير مفصّلة عن كيفية استخدام المساعدات السابقة.

خطة "درع الوطن" إستراتيجية وتطبيق

في السياق عينه حمل العماد هيكل إلى واشنطن ملفاً مركزياً هو خطة "درع الوطن" (Homeland Shield Plan)، التي تبنتها الحكومة اللبنانية في آب 2025 كخارطة طريق لبسط سيادة الدولة ونزع السلاح غير الشرعي. وتتألف من خمس مراحل تدريجيّة، صُممت لتفكيك "المربّعات الأمنيّة" بحذر، تجنّباً لانفجار حرب داخليّة، واستجابة للضغوط الدولية.

*جنوب الليطاني إنجاز والتحديات

فقد أعلن الجيش اللبناني في 8 كانون الثاني 2026 عن إنجاز المرحلة الأولى من الخطة، والتي تغطي منطقة جنوب نهر الليطاني حتى الخط الأزرق.

وفي المكتسبات نجح الجيش اللبناني في بسط سيطرته العملياتية على أكثر من 85% من المنطقة، وقام بتفكيك منشآت عسكرية، ومصادرة مخازن أسلحة (حوالي 10,000 صاروخ و400 قذيفة موجّهة)، وردم أنفاق كانت تستخدمها قوات الرضوان التابعة لـ"حزب الله". وهذا الإنجاز سُوِّق في واشنطن كدليل على "جدّية" الجيش وقدرته على الفعل عندما يتوفر القرار السياسي والغطاء الدولي.

أما لجهة ما قيل أنها فجوات ومخاوف إسرائيلية ورغم الترحيب الأميركي الحذر، لا تزال إسرائيل تشكك في فعالية هذه المرحلة. والنقطة الخلافية تكمن في ما اصطلح على تسميته بـ"المناطق الرمادية": القرى السكنية والممتلكات الخاصة التي يمنع القانون اللبناني تفتيشها دون إذن قضائي، بينما تصر إسرائيل وواشنطن على أنها تخفي البنية التحتية الأعمق لحزب الله. وهنا يجد الجيش اللبناني نفسه بين مطرقة الضغط الدولي وسندان القانون الداخلي والحساسيات الأهلية.

*المرحلة الثانية العقدة الكبرى

في المقابل تعتبر المرحلة الثانية، التي تغطي المنطقة من شمال نهر الليطاني وصولاً إلى نهر الأولي (شمال صيدا)، التحدي الأخطر الذي يواجه الجيش في عام 2026. والأهمية الاستراتيجية لهذه المنطقة لأنها "العمق الاستراتيجي" والجبهة الخلفية للمقاومة. وبعد إخلاء الجنوب، قيل أن وحدات الصواريخ والقيادة تراجعت إليها وهي ذات التضاريس الوعرة والغطاء الديموغرافي الداعم.

● وقد بدأت المواجهة السياسية بعد الحديث العلني عن هذه المرحلة حيث أعلن حزب الله رسمياً رفضه القاطع للبحث في أي ترتيبات لنزع السلاح شمال الليطاني، معتبراً أن القرار 1701 يخص الجنوب فقط، وأن أي تمدد للخطة شمالاً هو "تجاوز للسيادة" وخدمة للمطالب الإسرائيلية.

● أما المأزق الحالي الّذي برز وهو كان متوقّعًا، هو الحديث عن بدء تنفيذ هذه المرحلة في شباط الجاري، إلا أن التعقيدات السياسية والرفض الميداني أدّيا إلى تجميدها عملياً. وهنا لا بد من الاشارة الى أن واشنطن تضغط لجعل المساعدات الماليّة (مؤتمر باريس) مشروطة بالبدء بهذه المرحلة، بينما يحاول الجيش العمل على تجنب أي صدام داخلي على الأرض.

*المراحل اللاحقة (3-4-5) ورؤية شاملة

وتتضمن الخطة مراحل مستقبليّة تشمل بيروت والضاحية الجنوبية (المرحلة الثالثة)، والبقاع (المرحلة الرابعة)، والشمال (المرحلة الخامسة). وهذه المراحل تبدو حالياً كـ"طموح نظري" أكثر منها خططاً عملياتية وشيكة، نظراً للتعقيدات الهائلة التي تعتري المرحلتين الأوليتين. ومع ذلك، فإنّ وجود هذه الخطة "على الورق" يُستخدم دبلوماسياً لتأكيد نيّة الدولة اللبنانية بسط سيادتها الشاملة على المدى الطويل.

النشرة المصدر: النشرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا