آخر الأخبار

توم براك... نهاية مسار الخداع المزدوج

شارك

شكّل خروج توم براك السفير الأميركي لدى تركيا والمبعوث الخاص للرئيس الاميركي إلى سوريا، من الملف ال لبنان ي "نعمة" للبنانيين، بعدما تكشّفت حقيقة دوره كوسيط مزيّف يتقن "لعبة اللسانين". الرجل الذي قدّم نفسه صديقاً للبنان واحد ابنائه، ختم مساره بتصريحات فاضحة تؤكد أن كل ما سبق وقاله على الأراضي اللبنانية كان مجرد سيناريو لمشروع واحد: جرّ لبنان إلى مفاوضات مباشرة مع إسرائيل ، على الرغم من القناعة الكاملة ان هذا الهدف هو غاية المسؤولين الاميركيين جميعهم من دون استثناء، انما يبقى الفارق في أسلوب المقاربة المتّبع. ابتعاد براك عن الساحة اللبنانية يشكل راحة حقيقية، ليس لأنه كان فاشلاً فحسب، بل لأنه كان يرتدي ثياب الحمل فيما طبيعة الذئب فيه لم تتغيّر او ترتاح للحظة. طوال الفترة التي قضاها متدخلاً في الشأن اللبناني ، كان براك يتحدث بلغتين متناقضتين تماماً، يُظهر التعاطف والفهم في العلن، بينما يدفع خلف الكواليس باتجاه أجندة واضحة لا علاقة لها بمصلحة لبنان. هذا النوع من الوساطة المصطنعة أشد ضرراً من العداء الصريح، لأنه يخلق أوهاماً زائفة ويستنزف الوقت والجهد في مسارات لا تؤدي إلا إلى المزيد من الإحباط.

تنطح براك في تصريحاته الأخيرة عن لبنان كـ"دولة فاشلة"، على اعتبار ان الحل هو الذهاب إلى مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، وذلك بعد كل المحاولات الملتوية والخطابات المنمقة عن إعادة إعمار لبنان ومساعدته، وكأنه يعاتب اللبنانيين على عدم الانصياع لمشروعه، وإظهار فشله في المهمة التي كانت مسندة اليه، وبالتالي مصداقيته في المهام التي تولاها وتلك الموكلة اليه.

ما يثير الاستغراب حقاً هو أن براك، رجل الأعمال الذي جاءت به الصدفة السياسية إلى موقع بالغ التأثير بفضل صداقته مع الرئيس الاميركي دونالد ترامب ، يتحدث عن تاريخ المنطقة وتعقيداتها وكأنه مؤرخ متمرس أو محلل استراتيجي عميق. لا شيء في مساره المهني أو الأكاديمي يؤهله لهذا الدور، ومع ذلك فإنه يطلق أحكاماً قاطعة عن دول ومجتمعات وتواريخ لا يعرف عنها سوى ما يخدم مصالحه الضيقة. فاستشهاده ب الإمارات كنموذج يجب أن يحتذيه لبنان (حين تحدث عن ان لبنان دولة فاشلة ويجب عليه اعتماد التفاوض المباشر مع إسرائيل، طارحاً الامارات كمثال) دليل على جهله التاريخي. فقد قرر براك اغفال حقيقة أساسية وهي أن الإمارات ليست مجتمعاً متعدد الطوائف يعيش على إيقاع توازنات داخلية دقيقة وحساسة كما هو حال لبنان، كما ان النظام السياسي مختلف، والسياق التاريخي كذلك. ومحاولة فرض نموذج على آخر مع اغفال عناصر أساسية ومن دون فهم الاختلافات الجوهرية، هي قمة السطحية التحليلية، كما انه وقع في خطأ منطقي فادح عندما ربط بين النهضة الإماراتية والتطبيع مع إسرائيل. لكن الحقيقة الواضحة هي أن الإمارات بدأت نهضتها الاقتصادية منذ عقود، والتطبيع جاء في ذروة هذه النهضة، وليس كشرط مسبق لها أو كعامل محفز.

خروج توم براك من المشهد اللبناني ليس خسارة بأي معنى، بل هو تطهير متأخر لملف كان محملاً بالخداع والازدواجية. الدرس الأهم الذي يجب استخلاصه هو أن الوسطاء الذين يتحدثون بلسانين ويخفون نواياهم الحقيقية، مصيرهم الكشف والفشل معاً، واذا استمر رجل الاعمال هذا على المنوال نفسه، فسيلاقي مصيراً مشابهاً في سوريا لما لاقاه في لبنان، وسيجد انه كان من الاجدى ان يبقى في نطاق الاعمال وترك الحياة العامة والمشاكل السياسية المعقدة لمن يملك من الحنكة الدبلوماسية والجدية، ما يكفي للتعامل معها، علماً ان نجمه كمسؤول أميركي رسمي سيختفي مع مرور الأيام على ولاية ترامب.

النشرة المصدر: النشرة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا