أربعة مشاهد طبعت ما شهدته القاعة العامة للمجلس النيابي، من الداخل ومن الخارج، ولثلاثة أيام متتالية، إذ استُحضرت فيها كل الملفات الخلافية، وفي مقدمها موضوع حصر السلاح بيد القوى الشرعية
اللبنانية في جنوب نهر الليطاني أولًا، وفي شماله ثانيًا، وفي كل
لبنان ثالثًا، وكان لكلام
الأمين العام لـ "
حزب الله " الشيخ نعيم
قاسم حصة
الأسد في مشهدية النقاش النيابي، الذي خرج عن المألوف من خلال ما قيل في هذه القاعة من كلام لم يكن ليُقال قبل "حرب اسناد غزة"، وما قيل أيضًا في ما خصّ استعداد "حزب الله" لمساندة
إيران في حال تعرّضت لحرب أميركية – إسرائيلية.
فما هي هذه المشاهد الثلاثة من داخل القاعة العامة للمجلس ومن خارجها؟
المشهد الأوّل: انقلاب سقف الخطاب داخل القاعة العامة، إذ أنه للمرّة الأولى منذ سنوات، بدا واضحًا أن المحرّمات السياسية التي كانت تحكم النقاش النيابي قد تهاوت. فقد خرج عدد وازن من النواب، ولا سيّما من "الصفّ السيادي"، عن اللغة الرمادية، واضعين مسألة حصرية السلاح في صلب النقاش، لا كعنوان نظري أو بند مؤجَّل، بل كخيار دولة لا يحتمل التأجيل. اللافت هنا أن هذا السقف المرتفع لم يكن وليد مبادرة نيابية فحسب، بل جاء مدفوعًا مباشرة بكلام الشيخ نعيم قاسم، ولا سيّما إعلانه الصريح الاستعداد للانخراط في أي حرب دفاعًا عن إيران. هذا الموقف أخرج النقاش من خانة "الخصوصية اللبنانية" إلى خانة الالتحاق بمحاور إقليمية، ما فرض على النواب طرح السؤال الجوهري: من يقرّر الحرب والسلم، الدولة أم "حزب الله"؟
المشهد الثاني: ارتباك دفاعي في صفوف نواب "
المقاومة "، إذ بدت مداخلات نواب كتلة "الوفاء للمقاومة"، في مقابل هذا التصعيد السياسي، محكومة بمنطق الدفاع أكثر من المبادرة. فبدلًا من إعادة تثبيت سردية "المقاومة" كما في السابق، انشغل هؤلاء بالردّ على ما اعتبروه "استهدافًا سياسيًا"، في محاولة لاحتواء موجة الانتقادات المتصاعدة داخل القاعة وخارجها. وهنا برز تحوّل نوعي، إذ لم يعد الاعتراض على سلاح "حزب الله" يُوصَف تلقائيًا بالخيانة أو العمالة، بل بات يُناقَش، ولو بحدّته، كخيار سياسي مقابل خيار آخر، ما يعكس تراجعًا في قدرة الردع الخطابي التي كانت تحكم المشهد البرلماني لسنوات.
وقد أتى كلام عضو كتلة "الوفاء للمقاومة" النائب علي فياض اختصارًا لهذه المشهدية، خصوصًا عندما قال "نحن قلقون وغاضبون ونريد ان نترجم ذلك اصرارًا على التشارك والحوار. نحن بيئة نتعرض للاغتيال من الاسرائيلي وفي الوقت نفسه هناك من ينقض علينا من الداخل".
وأضاف: "ان ثلاثي وزير العدل ووزير الخارجية وحاكم المصرف يمارس خنقًا على بيئتنا»، محذرا من حرب اهلية يدفع اليها البعض في الداخل.
أمّا المشهد الثالث فهو ما حصل خارج القاعة تمثّل بضغط سياسي وشعبي متصاعد، وهو كان المشهد الأكثر دلالة. فقد تزامنت جلسات الموازنة مع تصعيد إسرائيلي ميداني، وضغوط أميركية متزايدة في ملف شمال الليطاني، ومع حالة قلق شعبي عابر للطوائف من احتمال جرّ لبنان إلى حرب جديدة لا طاقة له عليها. هذا التوازي بين الداخل والخارج حوّل المجلس النيابي إلى مرآة لانقسام وطني عميق: بين من يرى في استمرار السلاح خارج الدولة تهديدًا وجوديًا للبنان، ومن يراه ورقة إقليمية تتقدّم على المصلحة الوطنية. في هذا السياق، لم يعد النقاش النيابي حدثًا معزولًا، بل بات جزءًا من معركة تحديد هوية الدولة اللبنانية ودورها وحدودها.
أمّا التصعيد الشعبي فترجم باقتحام عدد كبير من العسكريين المتقاعدين والأساتذة حرم المجلس ووصل عدد منهم إلى البوابة البرانية محاولين الدخول إلى القاعة العامة، في سعي منهم لإسماع صوتهم وللمطالبة بحقوقهم المشروعة لناحية زيادة خمسين في المئة من أساس راتبهم التقاعدي كحدّ أدنى تأمينًا لسلامة مجتمعية مقبولة، وإن لم تكن كافية مع ارتفاع كلفة المعيشة وتزايد حال التضخم المالي.
أمّا رابع هذه المشاهد فقد تجّلى بالموقف الذي اتخذه نواب "
الثنائي الشيعي، الذين صوتوا لموازنة تستهدف بيئتهم قبل أي بيئة أخرى، وحموا بذلك الحكومة من السقوط المدوي، مع ما يعنيه هذا السقوط بالمفهوم السياسي للكلمة.
فما جرى في المجلس النيابي لم يكن مجرّد نقاش موازنة، بل بروفة سياسية لمرحلة شديدة الحساسية. مرحلة يُعاد فيها طرح الأسئلة الكبرى من دون مواربة: هل لبنان دولة أم ساحة؟ هل قراره سيادي أم ملحق؟ وهل يمكن الاستمرار في سياسة الهروب إلى الأمام فيما المنطقة على شفير تحوّلات كبرى؟ واللافت أن هذه الأسئلة طُرحت هذه المرّة من تحت قبة البرلمان، ما يجعل ما شهدته هذه القاعة نقطة تحوّل سياسية لا يمكن التقليل من شأنها.