اوزيريسُ وَإيزيسُ. بَدءُ مُلوكِ مِصرَ القَديمَةِ. بَدءُ آلِهَتِها.
زَواجُهُما مُقَدَّسٌ.
طافَ غَورَ الزَمَنِ.
تَألََّها، بَعدَ أن إرتَقَيا الى سُلالَةٍ سَماوِيَّةٍ.
لَكِنَّ تَألُّهَهُما ما إكتَمَلَ إلَّا بِتَكريسٍ في بيبلوسَ، عاصِمَةِ الروحِ لِلحاضِراتِ-الدوَلِ الُلبنانِيَّةِ. في لبنانَ ألْمِن فَوقَ في طَبيعَةِ الكيانِيَّةِ، وَحُدودِ الكيانِيَّةِ.
قُلتُ: بَدءٌ؟ لا إلَّا في لبنانَ يَبدأُ البَدءُ. هوَ قُرارَةُ نَفسٍ تَكتَفي في كِفاياتِ الَّلامَحدودِ. في تَحابِّ لَحظَةِ الوجودِ-الأَزَلِ مَعَ الأَبَدِ، كَما في صُحبَةٍ. كَما في تَفانٍ. كَما في كِفايَةِ الكِفاياتِ.
ها كَبيرُ الكَهَنَةِ المِصريِّينَ مانيتونَ السَمنوديManetho Μανέθων يؤَكِّدُهُ هَذا البَدءُ مِن لبنانَ وَبِهِ وَفيهِ وَمَعَهُ، في مؤَلَّفِهِ Aegyptiaca Αἰγυπτιακά "الجِبتانا" أو أسفارِ التَكوينِ المِصرِيَّةِ الذي وَضَعَهُ في اليونانِيَّةِ نَحوَ العامِ 270 ق.م. وَهوَ عِبارَةٌ عَن مَتنٍ مُقَدَّسٍ أيّ "سورتا" يَروي إنبِثاقَ الآلِهَةِ، وَبِدايَةَ تَجَمُّعِ السُلالَةِ المِصرِيَّةِ حَولَ وادي النيلِ، وَظُهورَ حَضارَتِها، وَقَد نَقَلَهُ عَنِ الكَهَنَةِ الذينَ حَفِظوهُ عَن أسلافِهِمِ.
وَفيهِ أنَّ اوزيريسَ وإيزيسَ، وَبعدَ زَواجِهِما المُقَدَّسِ طافا في الأَقاليمَ المِصرِيَّةِ، وَفي مِنديسَ إلتَقى اوزيريسُ بِعَدَدٍ مِن كِبارِ تُجّارِ بيبلوسَ وَلبنانَ-فينيقيا، وَتَبَحَّرَ في سِرِّ إيمانِهِمِ الذي دَفَعَهُم لِلجِدِّ في التَلاقيَ والتَفاهُمَ، أساساً لِمَعرِفَةِ العالَمِ وَريادَتِهِ. فَقَرَّرَ زيارَةَ بيبلوسَ. وَفي آخِرِ أيَّامِ السَنَةِ المِصرِيَّةِ، أبحَرَت سَفينَةُ اوزيريسَ وَإيزيسَ نَحوَها. وَما إن إقتَرَبَت مِن مَرفَئِها حَتَّى لاقَتها سُفُنُها وَزَوارِقُها مُرَحِّبَةً بِأعلامَ مُلَوَّنَةٍ، وَتَقَدَّمَ مَلِكُها لإستِقبالِ أَوَّلِ رِحلَةٍ مِصرِيَّةٍ يَقودُها اوزيريسُ الَذي، ما إن وَطِئَت قَدَماهُ أرضَها المُقَدَّسَةَ، حَتَّى إعتَلنَ نَفسَهُ إبنَ إيلَ الإلَهِ-الأبِ في الثالوثِ الُلبنانيِّ-الفينيقيِّ، وَعَشتارَ، الإلَهَةِ-الأُمِّ. وَأطالَ مُكوثَهُ في لبنانَ-فينيقيا، إمعاناً في تَكَرُّسِهِ في ذُرى حاضِراتِهِ: بَيروتَ وَصَيدا وَصورَ وَطَرابلُسَ وأروادَ، كَما جاءَ في "الجِبتانا".
قُلتُ: بَدءٌ؟ لا إلَّا في لبنانَ يوغِلُ البَدءُ تَمَعُّناً في الإستيعابِ. بَدءُ مُلوكِ مِصرَ. بَدءُ آلِهَتِها. اوزيريسُ. إبنُ الإيمانِ الُلبنانيِّ. إبنُ الثالوثِ الُلبنانيِّ. مُنتَسِباً بِالروحِ. مُتَجَسِّداً عَلى صورَةِ الإلَهِ-الإبنِ الُلبنانيِّ-الفينيقيِّ، كَمِثالِهِ... حَدَّ التَماهيَ الكامِلِ بِبُلوغِ الأبَدِ. أجَل! ها الشَرُّ المُتَمَثِّلُ (لا بِوَحشٍ حَيوانِيٍّ يُردي الإلَهَ-الإبنَ الُلبنانِيَّ-الفينيقيَّ ادونيسَ) بِأخيهِ سِتْ (الوَحشُ البَشَريُّ) يَصرَعُهُ، وَيُقَطِّعُ أوصالَهُ، وَيَرميها في وادي النيلِ. وَتَرتَحِلُ إيزيسُ بَحثاً عَن أشلاءِ زَوجِها... وَهوَ الحُبُّ يُقيمُ اوزيريسَ مِن ناسوتِ المَوتِ (كَما ادونيسُ تَماماً) وَيُعليهِ واهِباً لِلحَياةِ الأَبَدِيَّةِ والأُلوهَةِ عَلى العالَمِ الثانيَ (كَما ادونيسُ تَماماً).
تَفاهُمُ الخَلاصِ
تَلاقي التَفاهُمِ!
لا إلَّا لبنانَ يَنشُلُ مِن عُزلَةِ الوِحدَةِ السَحيقَةِ. وِحدَةِ الإنسانِ وَ...وِحدَةِ الأُلوهَةِ. وَإذْ في تِلكَ الوِحدَةِ المُزدَوِجَةِ، الإنعِزالُ-الإنفِرادُ أَلَمُ المَأساةِ المُبرَحِ، وَحدَهُ لبنانُ يُقيمُ في تَفاهُمِ التَلاقي الخَلاصَ المَعقودَ في العالَمِ. وَلَهُ. خَلاصُ الإنسانِ وَ...خَلاصُ الأُلوهَةِ.
تَفاهُمُ الخَلاصِ، في هَذا اللبنانَ-بَدءُ-البَدءِ، تَكريسُ حاجَةَ الإنسانِ لِسَنَدِ الأُلوهَةِ، وَحاجَةَ الأُلوهَةِ لِسَنَدِ الإنسانِ.
تَفاهُمُ الخَلاصِ، في هَذا البَدءِ مِن لبنانَ وَمَعَهُ وَفيهِ وَبِهِ، تَوكيدُ الكيانِيَّةِ إقراراً واحِداً موَحِّداً الوجودَ في الجَوهَرِ الذي يَلتَمِعُ حينَها ذُروَةً تواجِهُ الفَناءَ، تَنتَصِرُ عَلَيهِ، وَتَغلِبُهُ... بِبُلوغِ أبَدِيَّةِ الحَياةِ.
هوَ لبنانُ إقرارُ تِلكَ الكيانِيَّةِ المُتَفَوِّقَةِ عَلى الوجودِ، بِحَيثُ تَطبَعُ الوجودَ بِعُمقٍ أقوى مِنَ الإنْوِجادِ، وأعمَقَ أثَراً مِنَ الإيجادِ.
هوَ لبنانُ كَينونَةُ تِلكَ الكيانِيَّةِ بِحَدِّ ذاتِها. بُرهانُ إنهِمامِها بِالإنسانِ الحَيِّ أبَداً وَ...الأُلوهَةِ الحَيَّةِ أبَداً. لِأجلِ أبَدِيَّةِ بَعضِهِما البَعضِ!
المصدر:
النشرة