آخر الأخبار

حوار من نوع آخر في جلسات مناقشة الموازنة العامة

شارك
ليس جديدا القول بأن الرئيس نبيه بري هو "الناظر" الخبير والمتمرس في إدارة جلسات الهيئة العامة لمجلس النواب، والتي يعود تاريخها إلى الوراء سنوات طويلة من الممارسة المختلف على توصيفها في المجالس السياسية، وبالأخصّ في ما له علاقة بالمادة 112 من قانون الانتخاب العالقة في اللجان النيابية، وغير المفرَج عنها.
وهذا ما بات ثابتة واقعية في الكباش السياسي بالنسبة إلى القانون الحالي النافذ بطبيعة الحال ما يعني في القراءة السياسية للمشهد الانتخابي أن الانتخابات ستُجرى وفقًا لهذا القانون، سواء أكانت في موعدها الدستوري في 10 أيار المقبل كما حدّدها وزير الداخلية والبلديات العميد أحمد الحجار، أو سواء تمّ تأجيلها تقنيًا شهرين أو ثلاثة على أبعد تقدير.
فمن يراقب مسرى الجلسات النيابية لمناقشة الموازنة العامة يلاحظ أمرين أساسيين: الأول، وهو أن أغلبية النواب، الذين يصنّفون في خانة "الخطّ السيادي" قد وضعوا جانبًا ما في هذه الموازنة من عيوب جوهرية، وركّزوا على الكلام الأخير للأمين العام لـ " حزب الله " الشيخ نعيم قاسم، الذي كان واضحًا في خياراته الاستراتيجية حين أعلن أن "الحزب" لن يقف على الحياد في أي حرب قد تّشنّ على إيران ، وكأنه أراد من حيث لا يدري إعطاء مادة دسمة لـ "النواب السياديين"، الذين أتاهم هذا الموقف "شحمة على فطيرة".
أمّا الأمر الثاني فهو ردات فعل نواب كتلة "الوفاء للمقاومة" على الكلام التهجمي على "المقاومة" في مشهدية لم يتوان بعض النواب من وصف ما يجري بين نواب المحورين المتخاصمين والمتباعدين في المقاربات السياسية والاستراتيجية بأنه "حوار من نوع آخر"، استطاع الرئيس بري بما لديه من حنكة ودراية إدارة هذا "الحوار" بحكمة وتروٍ.
وهذا ما ظهر واضحًا في ردّه على النائب أيهاب حماده، الذي اعترض على بعض ما جاء في كلمة رئيس حزب "الكتائب اللبنانية " النائب سامي الجميل، فدعا نواب "حزب الله" إلى أخذ ما في كلمة الجميل من إيجابيات وإهمال ما اعتبره "النواب الممانعون" سلبيًا بالمعنى الضيق للكلمة.
وهنا لا بدّ من طرح سؤال عمّا إذا كانت مواقف الرئيس بري في طريقة إدارته لهذا "الحوار" نابعة مما تمّ الاتفاق عليه في آخر لقاء له مع رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون؟
ليس من المبالغة القول إن إدارة الرئيس بري لجلسات مناقشة الموازنة لم تكن تفصيلاً إجرائيًا أو مجرّد مشهد برلماني في عملية ضبط الإيقاع، بل جاءت محمّلة بدلالات سياسية عميقة، خصوصًا في هذا التوقيت الحساس الذي يتقاطع فيه الاستحقاق المالي مع الأسئلة الكبرى المتصلة بدور الدولة، وحدود القرار السيادي، ومصير لبنان في قلب صراعات إقليمية مفتوحة.
فطريقة بري في تدوير الزوايا، وامتصاص حدّة الاشتباك الكلامي، والسماح بمرور السجالات من دون انزلاق الجلسات إلى انفجار سياسي، توحي بأن ما يجري تحت قبّة البرلمان ليس معزولًا عمّا يجري خارجها، ولا عن الاتصالات السياسية التي تكثّفت في الآونة الأخيرة، وفي طليعتها اللقاء الذي جمعه بالرئيس عون. ذلك اللقاء، الذي وُصف بـ "الإيجابي" و"الصريح"، يبدو أنه وضع خطوطًا عريضة لإدارة مرحلة دقيقة عنوانها منع الانفلات الداخلي، ولو بالحدّ الأدنى من التفاهم.
من هنا، يمكن قراءة سلوك بري البرلماني كترجمة عملية لدور الوسيط ـ الضامن، لا بين الكتل النيابية فحسب، بل بين رئاسة الجمهورية و"حزب الله" أيضًا. فالرئيس بري، بما يملكه من رصيد سياسي وعلاقة عضوية مع "الحزب" بصفته "الأخ الأكبر"، يدرك حساسية اللحظة، كما يدرك أن فتح مواجهة داخلية تحت عنوان السلاح أو الخيارات الإقليمية، سيؤدي إلى تعرية الجميع من دون استثناء، في وقت لا يحتمل فيه لبنان ترف المغامرات.
لكن في المقابل، لا يمكن تجاهل أن هذا "الحوار من النوع الآخر" الذي دار في جلسات الموازنة، عكس حجم الهوّة بين مقاربتين: واحدة ترى في إعلان الشيخ نعيم قاسم انحيازًا صريحًا لمحور إقليمي يضع لبنان في عين العاصفة، وأخرى لا تزال تتعامل مع هذا الخيار بوصفه جزءًا من معادلة ردع أوسع. وهنا تكمن خطورة المشهد: حوار بلا أرضية مشتركة، وتعايش سياسي هشّ، تديره مهارة بري أكثر مما تضبطه قواعد واضحة.
السؤال الحقيقي، إذًا، ليس فقط عمّا إذا كانت إدارة بري للجلسات منسّقة مع رئيس الجمهورية، بل عمّا إذا كان هذا النمط من "الضبط السياسي" قادرًا على الصمود طويلًا، في ظل تصاعد الضغوط الخارجية، وتنامي الاعتراض الداخلي، وتقدّم ملف السلاح إلى واجهة النقاش الوطني من دون مواربة. فإمّا أن يتحوّل هذا الحوار غير المباشر إلى مدخل لتفاهمات أعمق، وإمّا أن يبقى مجرّد هدنة كلامية تُؤجَّل فيها المواجهة، لا أكثر ولا أقلّ.

لبنان ٢٤ المصدر: لبنان ٢٤
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا