كان الانطباع السائد في المنطقة في الأيام القليلة الماضية، أن الأمور تتجه بخطى ثابتة نحو مواجهة كبيرة، ربما تكون الأوسع منذ سنوات. مؤشرات التصعيد كانت واضحة، والخطاب السياسي ارتفع سقفه، والتحركات الميدانية زادت منسوب القلق. لكن فجأة، وفي لحظة بدت غير متوقعة، حصل تراجع ملحوظ في الإيقاع، وكأن ثغرة فُتحت في جدار كان يبدو مغلقًا بالكامل، ما سمح بتأجيل الانفجار الذي كان يلوح في الأفق.
هذا التبدل لا يمكن عزله عن الحركة الديبلوماسية الكثيفة التي نشطت في أكثر من اتجاه، وخصوصًا على المستويين الخليجي والتركي. الاتصالات جرت بعيدًا عن الإعلام، وبوتيرة توحي بأن هناك سباقًا مع الوقت لمنع انزلاق الأمور نحو حرب شاملة، يدرك الجميع أنها لن تبقى محصورة بجبهة واحدة، بل ستتدحرج لتصيب المنطقة برمّتها.
يبدو أن باب التفاوض قد فُتح، ولو بشكل غير معلن حتى الآن. الأجواء لا تزال حذرة، ولا أحد يتحدث عن اختراق نهائي، لكن مجرد الانتقال من مناخ المواجهة المفتوحة إلى مناخ البحث عن تسويات يُعد تطورًا بحد ذاته. وإذا كانت المساعي ستُستكمل، فمن الواضح أن
النقاش لن يقتصر على خفض التصعيد، بل سيتناول ملفات أعمق تتصل بتوازنات القوة وتقاسم النفوذ في الإقليم.
وفق المعطيات المتداولة، فإن الإيرانيين ينظرون إلى أي مسار تفاوضي من زاوية تثبيت الوقائع التي فرضتها السنوات الماضية، أو على الأقل انتزاع اعتراف غير مباشر بمواقعهم ودورهم. هذا الطرح يواجه بطبيعة الحال تحفظات واعتراضات، لكنه بات حاضرًا بقوة على طاولة النقاش، سواء أُعلن ذلك أم بقي في الكواليس.
حتى الآن، لا تزال هوية من أحدث هذا الاختراق غير معروفة. هل كان للدور الروسي تأثير مباشر في خفض منسوب التوتر؟ أم أن التحرك
التركي لعب دور الوسيط
القادر على مخاطبة أكثر من طرف؟ أم أن الجهود القطرية والعُمانية، المعروفة بقدرتها على إدارة الملفات الحساسة، كانت العامل الحاسم؟ الأرجح أن تلاقي هذه المسارات في لحظة دقيقة هو ما أتاح فتح نافذة سياسية ضيقة، لكنها مهمة.
في المقابل، تبقى الأنظار متجهة نحو
واشنطن . فإذا لم يكن ما يجري مجرد مناورة تحسين شروط التفاوض، فإن مسار الحرب يبدو اليوم أقل اندفاعًا، في مقابل تقدم خيار التفاوض
الطويل والمعقّد. مسار قد لا يحمل حلولًا سريعة، لكنه يبقى أقل كلفة من حرب كانت ستترك آثارها الثقيلة لسنوات طويلة.