في وقت وقف النظام السياسي في الولايات المتحدة مرة أخرى على حافة الإغلاق الجزئي للحكومة الفيدرالية، في مشهد يعكس بوضوح تداخل المال بالسياسة، وتحول الميزانية العامة من أداة تنظيمية إلى ورقة ضغط متبادلة بين البيت الأبيض والديمقراطيين في الكونغرس . فقد بقيت المساعي المحمومة داخل مجلس الشيوخ لتمرير حزمة الميزانية قبل ساعات من نفاد التمويل غير معبّرة فقط عن سباق مع الوقت، بل كشفت عن عمق الخلافات البنيوية التي تحكم عملية صنع القرار في واشنطن.
فقد مرّت الولايات المتحدة خلال الـ24 ساعة الماضية من عنق زجاجة سياسي جديد مع تبنّي مجلس الشيوخ مشروع قانون مالي يهدف إلى الحدّ من فترة الإغلاق الجزئي الوشيك للحكومة الفدرالية، في خطوة تعكس مرة أخرى منطق “ إدارة الأزمات ” لا حلّها. فالإغلاق الذي بدأ فعلياً عند منتصف ليل الجمعة يبدو، وفق المعطيات الحالية، أقرب إلى تعطيل تقني قصير الأمد قد ينتهي مطلع الأسبوع المقبل، بانتظار اقتراع مجلس النواب على الصيغة المعدّلة.
من حيث الشكل، يقدّم الاتفاق مخرجاً سريعاً يخفّف من التداعيات المباشرة، لأنّ استمرار الإغلاق خلال عطلة نهاية الأسبوع فقط يقلّص الحاجة إلى وضع أعداد كبيرة من موظفي القطاع العام في إجازات قسرية، ويحدّ من الارتباك الإداري الذي غالباً ما يرافق الإغلاقات الأطول. غير أن هذا “الضرر المحدود” لا ينبغي أن يحجب حقيقة أعمق: ما جرى هو تسوية موقتة فرضتها الضرورة السياسية، لا توافقاً مستداماً على أولويات الإنفاق وسياسات الدولة.
سياسياً، يعكس التصويت الواسع في مجلس الشيوخ (71 صوتاً مؤيداً مقابل 29 رافضاً) إدراكاً عاماً بخطورة الذهاب إلى إغلاق طويل، خصوصاً في ظل مناخ داخلي مشحون. لكن هذا الإجماع النسبي يخفي انقساماً جوهرياً حول ملف الهجرة ، الذي شكّل العقدة الأساس في المفاوضات. ف الديمقراطيون استخدموا رفضهم لتمويل وزارة الأمن الداخلي كورقة ضغط لفرض إصلاحات على إدارة الهجرة والجمارك، على خلفية حوادث أمنيّة خطيرة، أبرزها مقتل مواطنين أميركيين في مينيابوليس . في المقابل، وافق البيت الأبيض على تمرير معظم بنود الميزانية، مع تأجيل البند الخلافي، تفادياً لتحمّل كلفة سياسية كاملة لإغلاق شامل.
هذا التنازل المتبادل يحمل دلالات واضحة. فالرئيس الاميركي دونالد ترامب سعى إلى الظهور بمظهر القادر على تفادي الشلل الحكومي، من دون التفريط بسقف سياساته في ملف الهجرة، فيما حقق الديمقراطيون مكسباً مرحلياً بإبقاء وزارة الأمن الداخلي تحت المجهر السياسي والتشريعي. لكن النتيجة النهائية جاءت على حساب الوضوح: خمسة أقسام أُقرت، والسادس أُجّل، ما يعني أن جذور الخلاف لم تُعالج بل رُحّلت إلى مفاوضات جديدة خلال أسبوعين.
من الناحية المؤسسية، تبرز إشكالية إضافية تتمثل في اختلاف النسخة التي أقرها مجلس الشيوخ عن تلك التي سبق أن وافق عليها مجلس النواب. هذا التباين يعيد الكرة إلى ملعب النواب، ويؤخر الحسم النهائي حتى يوم الاثنين على أقل تقدير، ما يجعل الإغلاق الجزئي أمراً واقعاً، ولو لفترة قصيرة. وهنا تتجلى مفارقة النظام التشريعي الأميركي: القدرة على إنتاج تسويات سريعة، مقابل عجز متكرر عن توحيد الرؤى بين غرف الكونغرس في الملفات الحساسة.
اقتصادياً ومالياً، قد لا يترك هذا الإغلاق المحدود أثراً كبيراً على المؤشرات الكلية، لكنه يضيف حلقة جديدة إلى سلسلة من الإشارات السلبية حول استقرار القرار المالي. فحتى الإغلاقات القصيرة تُربك التخطيط الحكومي، وتكرّس انطباعاً بأن الميزانية باتت أداة تفاوض سياسي أكثر منها إطاراً لإدارة الدولة. وعلى المدى البعيد، فإن تكرار هذا السيناريو يضعف الثقة بقدرة واشنطن على فصل الخلافات السياسية عن استمرارية عمل المؤسسات.
في الخلاصة، نجح الكونغرس في تقليص مدّة الإغلاق وتخفيف كلفته المباشرة، لكنه فشل مجدداً في معالجة أسبابه العميقة. فالتسوية الحالية تشبه هدنة قصيرة في نزاع مفتوح، حيث تم تأجيل المواجهة لا إنهاؤها. ومع اقتراب موعد إعادة فتح ملف وزارة الأمن الداخلي، تبدو الولايات المتحدة أمام احتمال تكرار المشهد ذاته، ما لم يتحول منطق “تفادي الأسوأ” إلى توافق فعلي على قواعد إدارة الخلاف داخل الدولة.
المصدر:
النشرة