آخر الأخبار

بغداد على حافة العزلة: ماذا بعد فيتو ترامب على المالكي؟

شارك

"في عهد نوري المالكي (سابقًا)، انزلقت البلاد إلى الفقر والفوضى العارمة. يجب ألا يتكرر ذلك بسبب سياساته وأيديولوجياته المجنونة. إذا انتُخب، فلن تقدم الولايات المتحدة أي مساعدة للعراق".

بهذه العبارات "الصادمة"، لما تنطوي عليه من تدخّل في شأن سياديّ لدولة يفترض أن تكون "مستقلّة"، أشهر الرئيس الأميركي دونالد ترامب ما يصحّ وصفه بـ"فيتو" أميركي على تسمية المالكي رئيسًا للحكومة العراق ية، بعدما كانت الترتيبات شبه مكتملة لذلك.

وجاء موقف ترامب هذا ليخلط الأوراق ليس في العراق فحسب، بل في المنطقة برمّتها، ولا سيما أنه تزامن مع "سخونة" في الإقليم، في ظلّ قرع ترامب لطبول الحرب مع إيران ، التي يُعتبَر العراق من ساحات نفوذها، والمالكي تحديدًا من المحسوبين عليها.

من هنا، لا يبدو التحذير الأميركي من عودة المالكي إلى رئاسة الحكومة مجرّد موقف ضدّ شخص، بل بمثابة "اختبار سياسي شامل"، أولاً لـ"الإطار التنسيقي" الذي رشّح المالكي، وثانيًا للدولة العراقية ككلّ، التي طالتها "سهام" كلام ترامب.

وإذا كان من البديهي أن يتّحد الجميع على رفض كلام ترامب بوصفه تدخّلاً في الشؤون السيادية، فإنّ السؤال الذي يُطرَح تلقائيًا هو "سيناريوهات" المرحلة المقبلة، فماذا بعد "فيتو" ترامب على المالكي؟ وهل ما يزال العراق قادرًا على إنتاج تسوية داخلية خالصة، أم أنّ تسمية رئيس الحكومة باتت بندًا دوليًا وإقليميًا بامتياز؟

فيتو يتجاوز الاسم

صحيح أنّ التحذير الأميركي من عودة المالكي جاء بلهجة لا تُشبه اللغة الدبلوماسية التقليدية، ولا سيما أنّه اقترن بتهديد واضح بمستوى الدعم، لكن ثمّة من يقرأه بوصفه اعتراضًا على نموذج حكم تخشاه واشنطن، عنوانه "مسار صدامي" مع الولايات المتحدة، باعتبار أنّ المالكي بحكم تاريخه وموقعه وارتباط اسمه بمرحلة مفصلية، يجعله في نظر واشنطن أحد أكثر الأسماء قابلية للتحوّل إلى "عنوان صدام" بدل أن يكون عنوان التسوية.

لكن المفصل الحقيقي في القضية لا يتوقف عند حدود "الفيتو" فقط، بل يشمل طريقة التعبير عنه، ليس فقط لأنه بمثابة محاولة لوضع "معيار" لرئاسة الحكومة: من يُعتبَر مقبولًا دوليًا، ومن يصنَّف عبئًا على الاستقرار، ولكن أيضًا لناحية "الكلفة" التي يمكن أن تترتّب عليه، فما هي أدوات الضغط التي يلوّح بها الأميركيون؟ وهل هي سياسية فقط أم تتعدّاها إلى مفاتيح مالية واقتصادية يمكنها تضييق هامش أي حكومة جديدة؟

"الإطار التنسيقي" واختبار الوحدة

وإذا كانت تردّدات كلام ترامب تشمل كامل العراق، الخارج من سنوات اضطرابات ثقيلة، والذي لا يستطيع التعامل مع نفسه كجزيرة منفصلة عن النظام المالي العالمي، فإنّ التأثير الأكبر يبقى بلا شكّ على "الإطار التنسيقي"، الذي لطالما جاءت قوته من قدرته على جمع أطراف متعددة تحت سقف واحد، إلا أنّ هذه القوة تبدو اليوم مصدر "هشاشته"، إن صحّ التعبير، في ظلّ انقسام في صفوفه، نتيجة تباين بين أعضائه حول كيفية التعامل مع الأمر.

بهذا المعنى، يبدو أنّ "الإطار التنسيقي" أمام مأزق مركّب، ففي داخله من يرى أنّ كلام ترامب يستوجب التعامل معه بصرامة وتشدّد، وأخذ موقف "مبدئي وبراغماتي" منه، ومثل هذا الموقف لا يمكن أن يأخذ شكل التراجع، الذي "يكسر الهيبة"، في مقابل فريق آخر يعتبر أنّ الإصرار قد يكون مفيدًا لتسجيل موقف "مبدئي"، لكنه يفتح أبوابًا لا قدرة ل بغداد على إغلاقها، ويدخلها في "عزلة" لا فائدة مرجوّة منها.

وفي حين يمكن القول إنّ "فيتو" ترامب أدخل الإطار التنسيقي في حالة ارتباك جدّية، فإنّ السؤال الواقعي الذي يُطرَح بناءً عليه هو: إذا تراجع الإطار عن المالكي، فبأي صيغة؟ وإذا تمسّك به، فكيف يمنع الانقسام من التحوّل إلى تفكّك؟

ثلاثة مخارج... ولكن!

عمليًا، يمكن تلخيص خيارات الإطار بثلاثة مسارات، كلها مُكلِفة، وإن تفاوتت في حجم هذه الكلفة.

أول هذه الخيارات، وربما أكثرها كلفةً، وإن أقواها "شعبويًا"، هو التمسّك بالمالكي. فهذا الخيار يبدو جذابًا لمن يريد تحويل القضية إلى معركة سيادة، لكنه يضع الحكومة المقبلة في مواجهة مبكرة مع واشنطن، ويفتح باب العقوبات والضغط المالي والسياسي. والأسوأ أنّه يحمّل العراق كلفة صراعٍ ليس مضمون النتائج، في لحظة تحتاج فيها بغداد إلى هامش حركة لا إلى قفزة في المجهول.

أما الخيار الثاني، فيقضي بالتراجع "التكتيكي"، والذهاب إلى "مرشح تسوية" بالمعنى الحرفي للكلمة، وذلك للاتفاق على اسم يكون بالحدّ الأدنى "أقلّ استفزازًا" للخارج، وأقلّ صدامية في الداخل، ما يسمح بتسويقه على أنه "توافق" لا "تراجع"، وهو ما أشارت إليه مقاربات تتحدث عن عودة فكرة "مرشح التسوية" إلى الواجهة بعد ارتفاع الكلفة الدولية للاسم المطروح. لكن هذا المسار لا يحلّ المشكلة جذريًا، باعتبار أن توازنات المحاصصة ذاتها ستعود في أول اختبار.

ويبقى الخيار الأخير، ويقوم على أسلوب "الالتفاف" عبر مرشح "ظلّ"، أي الذهاب إلى شخصية "لا تثير حساسية واشنطن"، لكنّها تبقى عمليًا ضمن خط الإطار، بما يسمح بحفظ ماء الوجه. ومع أنّ هذا الحلّ يُستخدم كثيرًا حين يكون المطلوب موازنة الضغط الخارجي مع تماسك الداخل، لكنّه يطرح سؤال الشرعية: هل نحن أمام رئيس حكومة فعلي أم واجهة لتوازنات أقوى منه؟

أين إيران من المشهد؟

في كلّ الأحوال، لا يمكن فصل هذا الملف عن سؤال النفوذ الإيراني، وهواجس واشنطن منه في العراق تحديدًا. ولا يخفى على أحد في هذا السياق أنّ التحذير الأميركي من عودة المالكي يأتي ضمن سياق أوسع للحدّ من حضور القوى المرتبطة ب طهران في مفاصل القرار العراقي، أو على الأقل منع ترجمة هذا الحضور في رأس السلطة التنفيذية.

وفي المقابل، يدرك الإطار التنسيقي أن أي تنازل كبير قد يُقرأ داخليًا كخلل في ميزان القوة داخل البيت الشيعي، أو كمؤشر على أن بغداد ما تزال تُدار بـ"سقوف" خارجية، ولذلك فهو لا يستطيع القبول بأن يُظهر نفسه كطرف يتراجع بمجرد رفع الإصبع الأميركي.

باختصار، ما يجري يتجاوز المالكي وإدارته السابقة؛ إنه صراع على تعريف "العراق الممكن": هل هو عراق يتوازن بين واشنطن وطهران، أم عراق يغامر بتغليب محور على آخر، ثم يبحث عن ثمن ذلك على القطعة؟.

في النهاية، قد ينجح العراق في تجاوز "أزمة الاسم"، لكنّ الاختبار الحقيقي يبدأ بعد ذلك: هل تنتج التسوية حكومة قادرة على الحكم فعلًا… أم حكومة تولد وهي تعرف مسبقًا أنّ أول معاركها ليست الخدمات ولا الاقتصاد، بل حدود القرار نفسه؟.

النشرة المصدر: النشرة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا