آخر الأخبار

العرس السماوي

شارك

تقيم الكنيسة سهرانيّات في الأعياد المسيحية الكبيرة وفي أعياد قدّيسين كبار وذلك بهدف عيش العيد وترجمته حياتيًّا. فالمؤمن الحقيقي يعيش في فلك الدورة الليتورجية الكنسية التي تبدأ في اليوم الأول من شهر أيلول. كما أن المؤمن الحقيقي يعي تمامًا أن حياته على الأرض هي فرصة توبة وتنقية واستنارة وقداسة، وهذا يتم بالتزام جدّي بالصلوات والقدّاديس التي تتم في الكنيسة بالإضافة إلى صلاته الشخصيّة وقراءاته. وإن أردنا ان نصف المؤمن لقلنا إنّه كائن ليتورجي بكل معنى الكلمة، أي هو "عامل" في حقل الرب كما تعني كلمة ليتورجية باللغة اليونانية λειτουργία - leitourgía) ) والتي تتألّف من (laós- λαός) أي الشعب و (érgon - ἔργον) أي العمل، وبهذا لا تكون كلمة ليتورجية محصورة بترتيب الخدم الكنسية بل تشمل كل مسار حياة الإنسان وطريقة عيشه وتصرفاته وأفكاره مهما كان عمله، إكليريكيًّا كان ام غير إكليريكي. فلا يصح إطلاقًا أن يكون المعمّد غريب عن إيمان كنيسته وعيشه للإيمان.

من هنا السَّهْرانيّات هي من عمق الإيمان المسيحي ، فهي تجمع في تركيبتها الليتورجية الصلوات والقراءات والغروب والسَّحَر والقدّاس الإلهي. يتوافد إليها المؤمنون عطاشى إلى مياه الحياة، ويُبدع المرتّلون في أدائهم، ويصطفّون في جوقتين ينشدون ويرتّلون ويُسبّحون، فتصدح حناجرهم بألحان مهيبة، ويرتفعون إلى عالم سماويّ متجسّد، ويرتفع معهم المؤمنون الواقفون في الكنيسة. فنخال للحظة أنّ السماء قد فُتِحَت، ولا نعود ندري إن كنّا على الأرض أم في عالم السماويّات، كأنّنا بذلك نقرأ ما كتبه بولس الرسول : «فلستم إذًا بعدُ غرباء ونُزُلًا، بل رعيَّةٌ مع القدِّيسين وأهلِ بيت الله، مبنيِّين على أساس الرسل والأنبياء، ويسوعُ المسيح نفسه حجر الزاوية، الَّذي فيه كلُّ البناء مرَكَّبًا معًا، ينمو هيكلًا مقدَّسًا في الربِّ. الَّذي فيه أنتم أيضًا مبنيُّون معًا، مَسكَنًا لله في الروح» (أفسس 2: 19–22)

السَّهْرانيّات تذوّقٌ مسبق للملكوت، تذكّرنا بهويّتنا الأولى، وموطننا الأوّل، ومقصد وجودنا في هذه الحياة العابرة.

هي بضع ساعات نجتازها خلال يومٍ ونبدأ يومًا جديدًا: من الغروب في اليوم السابق إلى مناولة القدسات في اليوم التالي. إنّها عبورٌ إلى النور الإلهي غير المخلوق.

قد يغفو المرء لبرهة على لحنٍ ويستفيق على لحنٍ آخر، كأنّه في رحلةٍ ملكوتيّة مع الملائكة والقدّيسين. وبقدر ما يتمعّن الإنسان بالكلمات وبكلّ ما يجري، يكتشف أنّ كلّ ما هو أرضيّ فانٍ وزائل، ولا قيمة له أمام الجمال الإلهي.

ويبقى أن نكون جميلين على مستوى الحدث المنشود في السهرانيّة، فنرجع إلى ذواتنا، ونبكي خطايانا، ونتوب، ونسعى إلى ولادة جديدة بالربّ يسوع المسيح . هذا هو هدف السهرانيّة في الكنيسة: أن نجتمع معًا لنرتفع معًا مع إلهنا الذي انحدر نحونا ليقيمنا معه من قبر خطايانا.

لا نور في السهرانيّات إلا المنبعث من بعض الشموع، فتبدو الوجوه كظلالٍ متراصّة لأشخاصٍ يجلسون ويقفون ويسجدون جنبًا إلى جنب. هنا يموت التمييز بين شخصٍ وآخر، فالموجودون هم واحد، لأنّهم أصلًا واحد، خلقهم الربّ ليكونوا واحدًا فيه.

طعم السهرانيّة يبقى في النفوس، ويترك سلامًا ليس من هذا العالم. وعندما تنتهي ليتورجيًّا، تبقى حاضرة في القلوب، لتذكّرها أنّ خفقانها لا يجب أن يكون فقط لتعداد أيّام وأشهر وسنين كأرقام، بل لتجعلنا عاملين لحياةٍ أبديّة، حيث العمر لا ينتهي مع الحمل المذبوح لخلاصنا.

إنّ الانتقال في السهرانيّة من لحنٍ إلى آخر، ومن صلاةٍ إلى أخرى، ومن ترتيبٍ إلى ترتيب، ما هو إلا ترجمة لانتقال الإنسان من مجدٍ إلى مجد، إذا فعلًا ذهب إلى العمق، العمق اللاهوتي، فينمو عشقنا ليسوع الذي عشقنا أوّلًا، وتجسّد وصُلِب وفدانا بدمه ليحرّرنا ويعيد إلينا الصورة الإلهيّة التي أُظلِمَت بالخطيئة.

السهرانيّة هي عُرسٌ إلهيّ مع العريس، لأنّنا أبناء العريس السماويّ.

إلى الربّ نطلب.

مصدر الصورة

النشرة المصدر: النشرة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا