آخر الأخبار

حكومة الثنائي الشيعي

شارك
في مفارقة سياسية واضحة المعالم انكشفت خيوطها أمام الرأي العام اللبناني والدولي، تبيّن من خلال التصويت على الموازنة، والتي نالت أكثرية هزيلة لافتة، أن "الثنائي الشيعي"، أي نواب " حزب الله " وحركة "أمل" هم الذين شكّلوا حماية لعدم سقوط حكومة نواف سلام، في محاولة لتعويمها وانعاشها ومدّها بالأمصال المطلوبة وبالأوكسجين الضروري لكي تبقى واقفة على رجليها.

وهنا يطرح البعض سؤالًا جوهريًا عن الأسباب، التي دفعت نواب "الثنائي" إلى التصويت على هذه الموازنة، التي لم توازن بين الحاجة الفعلية لخطّة نهوض وإنقاذ واضحة المعالم وبين الوضع المعيشي المأزوم لجميع اللبنانيين، وبالأخص للبيئة الحاضنة لـ "الثنائي". وهذا الأمر يقود بعض السياسيين إلى التساؤل عن القطبة المخفية، التي تحكم العلاقة الباطنية بين رئيس الحكومة و"الثنائي الشيعي"، على رغم ما يحاول أن يوحي به بعض المقربين من رئيس الحكومة لجهة التباعد بينهما. ولو لم تكن العلاقة بين الطرفين، على رغم المظاهر الظاهرية وربما الغشاشة، قائمة على تنسيق دائم لما جاء هذا التصويت على الشكل الذي أتى عليه، إذ لعب "حزب الله" الدور الأساس في حماية حكومة سلام، في موقف لافت، وفي توقيت سياسي ملتبس.

واللافت في هذه المشهدية الحمّالة لكل الأوجه أنه في مقابل هذا التصويت لنواب "حزب الله" لصالح هذه الموازنة غير المتوازنة، أن عددًا من القوى السياسية، التي سمّت نواف سلام رئيساً للحكومة وهلّلت له واعتبرت أن حكومته تسير وفقَ خارطة الطريق المطلوبة، ولا سيما في ما يتعلق بنزع "سلاح المقاومة " ومنع تمويل إعادة الإعمار، هي نفسها من عارضت هذه الموازنة ولم تترك فيها سترًا مخبأ. ولولا وقوف "حزب الله" إلى جانب حركة "أمل" ومعهما الحزب التقدمي الاشتراكي إلى جانب سلام وأمنوا له شبكة أمان لأصبحت حكومته في خبر كان، ولكان سُجل في تاريخ الموازنات، وللمرة الأولى عدم نيلها الثقة.

وقياسًا على هذه المعطيات، هل يمكن اعتبار أن حكومة نواف سلام هي حكومة "الثنائي الشيعي"، التي حمتها من السقوط؟

أوساط سياسية مراقبة تعتبر أن هذا السؤال هو في محلّه، ففي المعنى العملي – التصويتي، يمكن القول إن الثنائي الشيعي ("حزب الله" وحركة "أمل") شكّل، مع الحزب التقدمي الاشتراكي، شبكة الأمان الأساسية التي منعت سقوط موازنة حكومة نواف سلام، وبالتالي منعت اهتزاز الحكومة في أول اختبار جدّي لها داخل المجلس النيابي. هذه حقيقة رقمية لا يمكن القفز فوقها، خصوصًا إذا أُخذ في الاعتبار تراجع حماسة قوى سمّت نواف سلام سابقًا، واصطفاف بعضها ضده عند الامتحان المالي، ومحاولة " القوات اللبنانية " النأي بنفسها سياسيًا عن الموازنة، ومعارضة " التيار الوطني الحر " لأسباب أخرى لها علاقة بالوضعية الانتخابية لـ " التيار " في الاستحقاق الانتخابي في أيار من حيث المبدأ، وامتناع كل من "الكتائب" و"المردة" عن التصويت، والانقسام الواضح داخل الكتل السنية والتغييريين.

وهنا يبرز سؤال جوهري آخر، وهو: هل هذا يجعل حكومة نواف سلام "حكومة الثنائي الشيعي" بالمعنى الحصري للكلمة؟

الجواب المبدئي في بادئ الأمر هو أن حكومة نواف سلام لم تكن حتى يوم أمس حكومة "الثنائي الشيعي" بالمعنى السياسي، إذ بدا، ولو ظاهريًا، أن نواف سلام لم يُشكّل حكومته بوصفها امتدادًا لمحور سياسي بعينه، لا في خطابها، ولا في أولوياتها المعلنة، ولا في مقاربتها لملف السلاح أو إعادة الإعمار أو العلاقة مع الخارج. بل على العكس، فإن جزءًا من التوتر القائم بينه وبين "حزب الله" نابع من شعور الأخير بأن الحكومة لا تراعي هواجسه ولا تمنحه أي ضمانات استراتيجية.

وهل يمكن القول بتالي الأمر أن " الثنائي الشيعي" قد تصرّف ببراغماتية دفاعية، وهو لم يدعم الموازنة حبًا بالحكومة، بل ربما خشية من الفراغ، ومن إسقاط حكومة في لحظة إقليمية بالغة الخطورة، وفي ظل تصعيد إسرائيلي مفتوح وضغوط دولية متزايدة، أي أن هذه الحماية جاءت حماية ذاتية أكثر مما هي حماية للحكومة كشكل أو كنهج، إلاّ إذا كان وراء الأكمة ما وراءها من قطب مخفية.

في المقابل فإن ثمة مفارقة لافتة وتكاد تكون صادمة، وهي أن من هاجموا الموازنة هم أنفسهم من بشّروا بحكومة نواف سلام كـ "حكومة إنقاذ" وكـ "حكومة خارطة طريق"، فيما تولّى خصومها السياسيون، ولو بالظاهر، حمايتها في البرلمان. وهذا الأمر يكشف خللًا عميقًا في اصطفافات ما بعد الحرب، حيث اختلطت الشعارات السيادية بالحسابات المالية، والرهانات الخارجية بالوقائع الداخلية.
ومن المفارقات أيضا أن المتظاهرين من متقاعدي القوى العسكرية، الذين وصلوا إلى البوابة البرانية للمجلس وكادوا يقتحمون القاعة العامة، تفرقوا ب" سحر ساحر"، الأمر الذي يطرح أكثر من علامة استفهام عن مغزى ما حصل، خصوصا أن سياسة المماطلة والتسويف، التي تعتمدها الحكومة، لم تعد تنطلي على أحد.

في المحصلة النهائية لهذه المشهدية المضحكة والمبكية في آن أنه يمكن القول إن حكومة نواف سلام، التي قيل بأنها لم تكن حكومة "الثنائي الشيعي" سياسيًا، نجت بأصواته في لحظة مفصلية. وهذا ما يضعها أمام اختبار أكبر وسط هذا الكمّ الهائل من التناقضات، وهي المتجهة إلى أن تتحوّل تدريجيًا إلى حكومة محاصرة من الذين سمّوها، ومشكوك بها من الذين أنقذوها. وهنا تكمن خطورة المرحلة المقبلة.
لبنان ٢٤ المصدر: لبنان ٢٤
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا