مجدّدًا، يقدّم الرئيس الأميركي دونالد ترامب نفسه رئيسًا "عابرًا للقارات"، وربما المحيطات، فبعد تدخّله في فنزويلا ، وصولاً إلى تشريعه لنفسه "اختطاف" رئيسٍ لبلدٍ أجنبيّ، ومحاكمته وفق القانون الأميركيّ، من دون اعتبار للقانون المحلّي أو حتى الدولي، وبعد تهديده بالتدخل العسكري في إيران دعمًا لاحتجاجات شعبية، ها هو يتدخل في شأن سيادي "عراقي" بتهديده بوقف المساعدات في حال اختيار نوري المالكي رئيسًا للحكومة.
هكذا، يبدو الشرق الأوسط وكأنه يدخل طورًا تُدار فيه الملفات كحزمة واحدة لا كساحات منفصلة. فالتصعيد الأميركي المتدرّج تجاه إيران لم يعد خطابًا سياسيًا عابرًا، بل صار جزءًا من معادلة ضغط مركّبة تتداخل فيها أدوات الردع العسكري مع لغة "الصفقة المشروطة"، وسط توسيع ملموس للحضور العسكري الأميركي في مسرح الخليج ، وهي معادلة تتّسع لاحقًا لتشمل مراكز النفوذ والارتدادات، وفي طليعتها العراق .
في هذا السياق، تبرز مقاربة ترامب بوصفها إدارة مزدوجة للإقليم: تهديد يرفع سقف الخيارات في وجه الخصوم (كما هو في حالة إيران)، وتمويل يُستخدم كورقة تقييد داخل الدول الحليفة أو الشريكة (كما هو في حالة العراق مع التهديد بوقف الدعم إذا أعيد المالكي إلى رئاسة الحكومة). وما بين طهران وبغداد، تتضح الفكرة الأساسية: لا تفاوض بلا ضغط، ولا دعم بلا التزام سياسي، ولا "شراكة" بلا ثمن.
التهديد كسياسة خارجية
يقدّم الرئيس الأميركي دونالد ترامب نفسه بوصفه رئيسًا قادرًا على "إنهاء" الأزمات عبر صفقة، لكنّه في الوقت نفسه يضع هذه الصفقة داخل قفص من الإنذارات. في ملف إيران، يتقدّم منطق "الاتفاق" مقرونًا بعبارات حادّة عن احتمالات التصعيد، وكأن التفاوض ليس مسارًا متكافئًا، بل نتيجة تُفرض من موقع أعلى. هكذا تُعاد صياغة الرسالة إلى طهران: إن أردتم تجنّب الأسوأ، فهناك باب واحد، هو القبول بشروط الصفقة التي تُرسم من واشنطن.
هنا يقدّم ترامب وصفة مألوفة في أدبيات "السلام بالقوة" التي يسعى إلى تكريسها بصورة أو بأخرى: ضغطٌ عسكري وسياسي لإجبار الخصم على الجلوس إلى الطاولة وفق شروط مسبقة. الفارق هذه المرة هو أن الضغط لا يقتصر على الخطاب، بل يترافق مع وقائع ميدانية تُعيد تعريف "حدود الممكن" في حسابات الطرفين: ما الذي تستطيع واشنطن فعله فعلاً؟ وما الذي تستطيع طهران تحمّله قبل أن تبحث عن مخارج؟
الأهم هنا ليس مضمون التهديد وحده، بل وظيفته السياسية. فترامب، الذي يميل إلى تحويل السياسة الخارجية إلى ساحة "تسعير"، يريد أن يُقنع الداخل الأميركي بأنه يفاوض من موقع قوة، وأن يُقنع الحلفاء بأنه حاضر وقادر على الحماية، وأن يُقنع الخصوم بأن كلفة الرفض ستتجاوز القدرة على التحمل. وبهذا يصبح التهديد أداة لتوحيد السردية: رئيس لا يساوم من موقع ضعف، بل يفرض شروطه كمدخل لأي تفاوض.
الميدان يسبق التفاوض
غير أن التهديد، كي لا يبقى كلامًا، يحتاج إلى مسرح عمليات يترجم معناه. وهنا يأتي دور الميدان الذي يسبق التفاوض، وهو ما يتجلّى بالتحشيد العسكري الأميركي اللافت في المنطقة، وتحديدًا دخول حاملة الطائرات " يو إس إس أبراهام لينكلون " إلى نطاق القيادة المركزية الأميركية في الشرق الأوسط، وهو ما يمنح التصعيد معنى عمليًا، كجزء من استكمال "العدّة"، ليس بهدف الذهاب إلى الحرب بالضرورة، ولكن بهدف جعلها احتمالًا حاضرًا في الحسابات.
بهذا المعنى، يتحوّل "الردع" إلى مشروع متكامل، فهذا التداخل بين السياسة والميدان يخلق معادلة ضغط، قوامها دعوة لإيران إلى قراءة الرسائل على أنها ليست انفعالات إعلامية، بل جزء من مشهد ردعي قادر على التحول إلى قرار. وفي الوقت نفسه، يُراد للحلفاء أن يلمسوا جدية الالتزام الأميركي، خصوصًا في لحظة إقليمية حساسة، تتداخل فيها ملفات الملاحة والطاقة والقواعد العسكرية وتوازنات الردع المتبادل.
لكنّ الردع، في الشرق الأوسط، ليس قرارًا أميركيًا صرفًا. فالدول المستضيفة للقواعد أو الممرات أو خطوط الإمداد تمتلك بدورها حسابات دقيقة، ولا يخفى على أحد أنّ بعض العواصم الخليجية لا تريد أن تكون منصة اشتعال في مواجهة كبرى، ولا تريد أن تتحول إلى هدف ارتداد إذا انفلتت الأمور، وهو ما يفسّر الحراك الدبلوماسي المكثّف لمنع الانزلاق إلى ويلات حربٍ جديدة قد لا ترحم أحدًا.
بكلام آخر، التهديد الأميركي يستند إلى قوة، لكن هذه القوة تعمل ضمن بيئة تُحاول تقليل الكلفة على نفسها، ما يفرض حدودًا على أي مغامرة، ويُبقي الباب مفتوحًا أمام خيار ثالث: توتر مضبوط يُستخدم لتحسين شروط التفاوض، لا لإطلاق مواجهة شاملة.
العراق ليس هامشًا
إذا كانت إيران هي مركز الضغط المباشر، فإن العراق يبدو ساحة الضغط غير المباشر، حيث يتحول "التمويل" إلى أداة سياسية لا تقل قوة عن حاملات الطائرات. فحين يلوّح ترامب بوقف المساعدات أو تقليص الدعم في حال اختيار نوري المالكي لرئاسة الحكومة، فهو لا يتعامل مع المسألة كخيار ديمقراطي داخلي، بل كقرار ينبغي أن يراعي إرادة واشنطن وشروطها.
هنا يبرز سؤال السيادة بأوضح صوره: هل يمكن لقوة دولية أن تُلوّح بالعقاب المالي من أجل التأثير على قرار دستوري داخل بلد شريك؟ وهل تتحول المساعدة التي تُقدّم عادةً في سياق بناء المؤسسات ودعم الاستقرار، إلى ما يشبه "الفيتو السياسي" على أسماء بعينها؟.
قد يبدو التركيز على المالكي استهدافًا لشخصية بعينها، لكنه في العمق يحمل رسائل أوسع، فهو أولاً رسالة إلى الطبقة السياسية العراقية بأنّ واشنطن تريد "ضمانات" على شكل الحكم المقبل، وهو رسالة إلى إيران بأن أدوات الضغط لا تتوقف عند حدودها الجغرافية، بل تمتد إلى الساحات التي تمثل لها وزنًا استراتيجيًا، وهو أيضًا رسالة إلى الحلفاء في المنطقة بأن الولايات المتحدة لن تُدار من "منطق الاحتواء الصامت"، بل من منطق استخدام الأدوات الصلبة والناعمة معًا.
الرهان الأميركي، كما يبدو، هو أن جمع الأدوات في وقت واحد سيُنتج نتيجة واحدة، بحيث تلين إيران موقفها، ويعيد العراق ضبط مساره السياسي، ويطمئنّ الخليج إلى أن واشنطن حاضرة وقادرة على الردع. لكنّ هذا الرهان ليس بلا أثمان. فسياسة "الابتزاز بالمساعدة" قد تنقلب إلى سلاح مضاد، بمعنى أنّها بدل أن تُضعف نفوذ طهران في بغداد، قد تمنح خصوم واشنطن مادة شعبوية جاهزة عن"الوصاية والإملاءات".
ماذا يريد ترامب من الإقليم؟
من هنا تتضح الصورة: ترامب يحاول إدارة الإقليم بمنطق "وحدة الجبهة" لا وحدة الجغرافيا. إيران هي العقدة، والعراق هو إحدى ساحات فكّها، والخليج هو ساحة التوازن بين الردع والخوف من الارتداد، بينما تعمل أدوات أخرى في الخلفية، كالعقوبات والضغط الدبلوماسي والحشد الإعلامي.
لكن، ماذا يريد ترامب عمليًا؟ هل يريد "صفقة مشروطة" مع إيران، أم إعادة "ضبط الإقليم" قبل أيّ تفاوض؟
الأرجح أنه يريد الاثنين معًا. فهو يحتاج إلى "صفقة" تُقدّم للداخل الأميركي بوصفها إنجازًا، لكنه يحتاج قبلها إلى تعديل ميزان القوى التفاوضي، بمعنى تضييق هامش إيران، وتوجيه رسائل إلى ساحات نفوذها، وتقوية أوراق الحلفاء، وتثبيت صورة أن واشنطن هي مركز القرار. لكن هذه المقاربة تفترض أن الخصوم سيستجيبون للضغط بالشكل المتوقع. وهذا ليس مضمونًا، أقلّه حتى إثبات العكس...
في المحصّلة، يبدو ترامب وكأنه يكتب سياسة إقليمية بقلمين: قلم القوة لرفع السقف في وجه إيران، وقلم المال لإعادة هندسة التوازنات في العراق. غير أن الشرق الأوسط لا يُدار كمزاد بسيط، لأن كل تهديد يولّد ردًا، وكل ابتزاز مالي يفتح أبواب سيادة، وكل محاولة لإعادة الرسم قد تُنتج خطوط تماس جديدة بدل أن تُنتج تسوية. وعليه، يبقى السؤال مفتوحًا: هل تنتهي إدارة الإقليم بالتهديد والتمويل إلى صفقة تُخفّف التوتر، أم أنها تُراكم شروط انفجار مؤجل يبدأ من طهران ولا ينتهي عند بغداد؟.
المصدر:
النشرة