كتبت دوللي بشعلاني في" الديار": لم يكن الإجتماع غير الإعتيادي الذي عُقد بين سفيري
الولايات المتحدة الأميركية لدى
لبنان ميشال عيسى ولدى "
إسرائيل " مايك هاكابي، برعاية واستضافة أميركية في العاصمة الأردنية عمّان، تحت عنوان عريض "السلام المستدام"، مجرّد لقاء تنسيقي عادي بين بعثتين ديبلوماسيتين. فالزمان والمكان واللغة السياسية المستخدمة في البيانات التي تلته، تكشف بوضوح أنّ
واشنطن أطلقت مساراً مدروساً، لإعادة ضبط مقاربتها للحدود
اللبنانية –"
الإسرائيلية "، في لحظة إقليمية تتقاطع فيها الضغوط العسكرية، مع الحاجة إلى احتواء الانفجار الشامل.
لماذا عمّان؟ ولماذا الآن؟ تجيب أوساط ديبلوماسية مطلعة بأنّ اختيار الأردن لم يكن تفصيلاً. فعمّان تمثّل نقطة توازن إقليمي: حليف موثوق لواشنطن، مرتبط باتفاق سلام مع "إسرائيل"، وقادر على لعب دور الوسيط غير المعلن في الملفات الحسّاسة، ما يشكّل مساحة "آمنة" للديبلوماسية الهادئة، بعيداً عن الضغوط السياسية والإعلامية المباشرة. كما تعكس استضافة الاجتماع استعداد عمّان للعب دور صمّام أمان إقليمي، وتمنحها موقعاً متقدّماً في أي ترتيبات لاحقة. كذلك فإنّ واشنطن عبر الأردن، تلمّح إلى أن أي تسوية جزئية في الجنوب اللبناني، لن تكون معزولة عن الإطار الإقليمي الأوسع. كما يشي بأنّها لا تريد ربط هذا المسار مباشرة ببيروت أو بـ "تل أبيب"، بل تفضّل إدارة الملف من مساحة محايدة نسبياً، تتيح لها التحرّك بعيداً عن الضغوط الداخلية للطرفين.
أمّا التوقيت، فيرتبط مباشرة بتآكل فاعلية وقف إطلاق النار القائم، وبالعجز الواضح للآليات التقنية عن منع الانزلاق المتكرّر نحو المواجهة.
من هنا، ترى الأوساط الديبلوماسية بأنّ الاجتماع هو "محاولة إستباقية" لمنع تحوّل الاحتكاكات المحدودة إلى صراع مفتوح، في وقت تبدو فيه المنطقة أقلّ قدرة على تحمّل حرب إضافية. وهذا الطابع يعكس مرحلة تمهيدية تسعى فيها واشنطن إلى بلورة تصوّر متكامل، قبل الإنتقال إلى خطوات أكثر علنية.
أمّا الإصرار على استخدام تعبير "السلام المستدام والفعّال بين لبنان" و"إسرائيل"، فتلفت الأوساط المطلعة إلى أنّه مصطلح سياسي غير بريء، لأنّه في القاموس السياسي الأميركي، لا يعني إتفاقاً نهائياً وشاملاً للسلام بالمعنى التقليدي، بل يشير إلى حالة إستقرار مُدارة، تُضبط فيها المواجهة العسكرية من دون حلّ جذري لأسبابها. بعبارة أوضح، لا تسعى واشنطن حالياً إلى فرض سلام لبناني – "إسرائيلي"، على ما توضح الأوساط، بل إلى منع الحرب، وتثبيت خطوط تماس أقلّ كلفة. وهذا ينسجم مع نهج أميركي أوسع، يقوم على تجميد النزاعات بدلاً من حلّها، ريثما تتغيّر موازين القوى أو تتوافر ظروف سياسية أنضج.
وفي ما يتعلّق بغياب أي تمثيل لبناني أو "إسرائيلي" مباشر، فإنّ ذلك يوّكد، وفق الأوساط نفسها، على أنّ الاجتماع كان مخصصاً لتوحيد القراءة الأميركية للملف، لا لإطلاق مبادرة علنية. فواشنطن قبل مخاطبة الأطراف المعنية، تحتاج إلى اتفاق داخلي بين أدواتها الديبلوماسية حول سقف الحركة والرسائل المتعدّدة الاتجاهات، وليس إطلاق مسار تفاوضي مباشر (أي التطبيع)
في المحصلة، لا يحمل اجتماع عمّان إختراقاً سياسياً، على ما تختم الأوساط، لكنه يؤشّر إلى "واقعية أميركية باردة لا سلام شاملاً في الأفق، ولا حرب مفتوحة مرغوبة". فما تسعى إليه واشنطن هو "إدارة النزاع بأقل كلفة ممكنة، وضبط إيقاعه بما يخدم أولوياتها الإقليمية".