في لحظةٍ كان يُفترض أن تُنقل فيها الأنظار
إلى باريس بوصفها محطة "حشد" قبل مؤتمر دعم الجيش والقوى الأمنية المقرّر في الخامس من آذار المقبل، جاء الجنوب ليقول كلمته بالنار. وبين صورة رئيس الحكومة نواف سلام في قصر الإليزيه، وبين موجة غارات جديدة تطال قرى جنوبية وتمتدّ إلى نقاط أبعد، يظهر
لبنان كأنه يمشي على حبلٍ رفيع: يريد دعمًا دوليًا لتثبيت الدولة، فيما الوقائع الميدانية تُهدّد بتحويل هذا الدعم إلى "مشروطية" متصاعدة.
لم يذهب رئيس الحكومة نواف سلام إلى باربس فقط ليطلب مساعدة مالية أو تقنية، فهذا متروك للمؤتمر المنتظر الذي ترعاه العاصمة
الفرنسية ، بل ليحاول بناء مظلة سياسية للمؤتمر، تبدأ من تثبيت سردية واضحة قوامها أنّ الدولة توسّع حضورها، والجيش يثبت سلطته، والملف السيادي يُدار بمنطق "خطة" لا بمنطق "ردود"، وهو ما أكّد عليه بتأكيده مرارًا وتكرارًا أنّ "لا تراجع" عن مبدأ "حصرية السلاح" الذي ستمضي به الحكومة حتى النهاية.
لكن هذا بالضبط ما يجعل التصعيد جنوبًا أكثر من مجرد حدث أمني: إنه ضغطٌ على السردية نفسها قبل أن تصل إلى طاولة
باريس . وربما تكمن هنا الإشكالية الواقعية التي ستلازم الأيام الفاصلة عن المؤتمر: فهل ينجح لبنان في تحويل "دعم الجيش: إلى رافعة تضبط الإيقاع وتحدّ من الخروقات وتُعيد قواعد اللعبة إلى مسار قابل للإدارة؟ أم أن الجنوب، مع تعطّل قنوات المتابعة وتضخم بنك الأهداف، سيجعل المؤتمر ساحة لطرح الشروط أكثر من تقدي الدعم؟
ماذا أراد سلام من ماكرون؟
ليس خافيًا على أحد أنّ الهدف الأساسي من زيارة سلام إلى باريس، كان تثبيت مؤتمر دعم الجيش وقوات الأمن وإنجاحه، وفتح قنوات التمويل والدعم للجيش والقوى الأمنية، وهو ما يتجلى في بيان رئاسة الحكومة
اللبنانية عن لقاء سلام مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، إذ أشار إلى أن الاجتماع تناول التحضيرات لمؤتمر 5 آذار، وسبل إنجاحه، ضمن نقاش أوسع حول الملفات المشتركة.
بهذا المعنى، فإنّ سلام قدّم نفسه في باريس باعتباره رئيس "حكومة قرار" تحاول أن تُمسك بخيوط المسار. لكن ما يضيف وزنًا للزيارة هو الجزء غير المالي، فسلام شدد في اللقاء على ضرورة وقف خروقات
إسرائيل للسيادة اللبنانية وانسحابها من الأراضي التي لا تزال تحتلها، والتمسك بالتنفيذ الكامل لإعلان "وقف العمليات العدائية". بمعنى آخر، هو لم يذهب ليطلب دعمًا للجيش فحسب، بل ليطلب "أرضية سياسية" تجعل هذا الدعم ذا معنى.
وعلى الضفة المقابلة، ليس خافيًا أيضًا أنّ
فرنسا تريد أن تُقدّم المؤتمر بوصفه دعمًا لـ"سيادة لبنان" و"الجيش كعمود استقرار"، وقد جرى التذكير بما اعتُبر إنجازًا للجيش في بسط سلطته جنوب الليطاني، لكن هذا الإنجاز نفسه يتحول بسرعة إلى معيارٍ جديد: كلما ارتفع معيار "النتائج"، ارتفع هامش الضغط على لبنان كي يُثبت أنه قادر على الانتقال من مرحلة إلى أخرى، من دون أن تُسحب منه ورقة "الهدوء" على الأرض.
لماذا جاء التصعيد الآن؟
هنا يتداخل الأمن بالاقتصاد: أي حديث عن استثمارات أو مساعدات أو ثقة دولية يمر عبر صورتين متلازمتين: صورة الدولة القادرة، وصورة الحدود المضبوطة. لكن لماذا جاء التصعيد
الإسرائيلي الآن، وإن كان مستمرًا ومتواصلاً بلا توقف منذ الاتفاق الذي تنصّلت منه إسرائيل لوقف الأعمال العدائية؟ تتباين التفسيرات والتحليلات، لكنها تتقاطع عند رسالة واحدة، تربط بين توسيع بنك الأهداف ورفع الإيقاع، مع التوقيت شديد الحساسيّة سيسايًا.
هنا، يقول العارفون إنّ الأهم من "عدد
الغارات " هو نمطها، فما لوحظ في الأيام الماضية كان تكثيف الضربات باتجاه مناطق تقع شمال الليطاني، بما يعني عمليًا أن إسرائيل تتعامل على قاعدة "حرية نار" أوسع من الخطوط التقليدية، وبعنوان واحد ثابت: منع إعادة بناء قدرات حزب "الله". هذا النمط يتزامن مع حديث عن تكثيف الضربات شمال الليطاني في الآونة الأخيرة. وفي السياسة، الآونة الأخيرة ليست صدفة: إنها نافذة ما قبل مؤتمر باريس.
المشكلة هنا ليست فقط في التصعيد، بل في "الفراغ" الذي يسمح له بأن يصبح لغة يومية، في ظلّ تجميد عمل لجنة الإشراف على آلية تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار ("الميكانيزم")، وكأنّ الأخيرة باتت بدورها جزءًا من "دفتر الشروط" الإسرائيلي على طاولة مؤتمر باريس، علمًا أنّ هناك من يخشى من سيناريو "الانفجار" قبل المؤتمر، بمعنى أن تتقدم الغارات وتتعطل قنوات الضبط، فيصبح المؤتمر محطة لإدارة الأزمة لا لتثبيت المسار، وهنا بيت القصيد..
من زاوية باريس تحديدًا، هناك مفارقة قاسية: فرنسا تحاول أن تجمع الدعم وتحصّن المؤتمر، لكن أي تصعيد جديد يرفع منسوب الشروط التي قد تُطرح على لبنان: ليس فقط "أين وصل الانتشار؟" بل "هل تملك الدولة القدرة على ضبط ما بعد الانتشار؟". هنا ينتقل الملف من دعمٍ تقني للجيش إلى اختبار سياسي للدولة، وهو بالضبط ما يحاول سلام تفاديه عبر تحويل المؤتمر إلى منصة "تثبيت" لا منصة "ابتزاز"، فهل ينجح في هذه المهمّة؟