لم تعد التحولات التي يصحّ وصفها بـ"الدراماتيكية" في شمال شرقي سوريا ، مجرّد "تفاصيل" تأتي على هامش المشهد السوري الأكبر، الذي بدأ مع سقوط نظام الأسد في كانون الأول 2024، والذي شهد جولات متعدّدة من الاشتباكات والمعارك التي أخذ بعضها صبغة طائفية بعنوان "الانتقام" في محطات عدّة، فقد باتت عنوانًا قائمًا بذاته، من شأن تداعياته أن تؤثّر على المنطقة برمّتها، بل تعيد خلط أوراق الإقليم، مع عودة ورقة " داعش " إلى الواجهة بصورة أو بأخرى.
خلال أيام قليلة، تتابعت إشارات التحول، وقد بدأت من النقطة الأكثر حساسيّة في شمال شرقي سوريا ، وهي السجون والمخيمات، حيث تختلط "شرعية" مكافحة الإرهاب بحسابات السيادة، وحيث تتحول أي هزة أمنية إلى خطر إقليمي، وسط وسط مخاوف مشروعة من أن يكون ثمن المواجهة التي حاول البعض تفاديها قبل أشهر، عودة الشبكات المتطرفة من بوابة الفوضى.
مع ذلك، فإنّ اختزال ما جرى في سجن هنا أو مخيّم هناك، يفوّت الصورة الأكبر، التي تقول بوضوح إنّ ما يحدث اليوم هو إعادة توزيع نفوذ في منطقة كانت طوال سنوات خارج سيطرة الدولة المركزية، تحت مظلّة التفاهم الأميركي مع " قسد "، التي بدا أنها تنتقل، قسرًا، من موقع الشريك المحلي الذي لا غنى عنه، إلى موقع "الملف" الذي يعاد ترتيبه داخل الدولة، خصوصًا بعد الموقف الأميركي "الإيجابي نسبيًا" من النظام الجديد.
ومع إعلان النظام السيطرة على سجن "الأقطان" في الرقة بعد اشتباكات حوله، وإطلاق الولايات المتحدة مهمّة لنقل معتقلين مرتبطين بـ"داعش" من شمال شرقي سوريا إلى العراق، يمكن القول بأنّ "مرحلة ما بعد قسد" قد بدأت عمليًا، من دون الحاجة إلى بيان سياسي واضح، أو إلى اتفاق مكتوب يشرح للناس خرائط السيطرة الجديدة. ولكن، ما الذي يعنيه ذلك على أرض الواقع؟ ولعلّ السؤال الأهم، وربما الأخطر، هو: من يمسك مفاتيح المرحلة... ويمنع الانفلات؟
لسنوات، مثّلت "قسد" الشريك المحلي الأهم للتحالف الدولي في محاربة "داعش"، وراكمت وزنًا سياسيًا من "وظيفة" أمنية شديدة الخصوصية: إدارة سجون ومخيمات ترتبط مباشرة بملف الإرهاب العابر للحدود. لكن هذا الوزن، الذي كان مصدر قوة، تحوّل تدريجيًا إلى عبء حين بدأت البيئة الأمنية والسياسية تتغير، ضغوط متصاعدة لإعادة "مركزة" القرار الأمني في دمشق، وتراجع هامش الاستقلال الذي تمتعت به “قسد”، وتنامي القلق من أن أي ارتباك صغير في إدارة السجون يمكن أن يتدحرج سريعًا إلى خطر إقليمي.
لكن ما الذي أوصل إلى المواجهة، ولماذا ترنّح ترتيب "قسد" أصلاً؟.
الأكيد أنّ التحول لم يهبط فجأة، فطوال فترة سيطرة "قسد" على مساحات عربية واسعة (الرقة وأجزاء من دير الزور والحسكة)، بقيت العلاقة مع البيئة المحلية قابلة للاشتعال، وبقيت العلاقة مع دمشق معلّقة بين عناوين كبرى: اللامركزية، والدمج، وتقاسم الموارد، والملف الأمني. وعندما بدأت ترتيبات "العودة التدريجية" للدولة تتقدم سياسيًا وميدانيًا، برزت عقدتان متلازمتان: دور "قسد" نفسها وإمكانية دمجها ضمن الدولة، وملف "داعش" وكيفية مقاربته.
هنا تحديدًا، بدأت "المواجهة" تأخذ منحى تصاعديًا. صحيح أنها لم ترقَ لمستوى الحرب الشاملة، لكنها أخذت شكل اشتباكات موضعية حول نقاط حسّاسة، وإن تخلّلتها تفاهمات سريعة وعمليات إخلاء وانتقال لم تصمد طويلاً. لكن ما إن دخل ملف السجون على الخط، حتى صار تأخير الحسم مخاطرة، علمًا أنّ منشآت عدّة شهدت توترات قبل إعلان السيطرة على سجن "الأقطان"، أبرزها ما ارتبط بسجن الشدادي في الحسكة، وما نُشر عن فرار معتقلين منه.
برأي كثيرين، فإنّ الولايات المتحدة هي التي كتبت "كلمة السرّ" في هذه المواجهة، بل هي التي رسمت خيوطها، بشكل أو بآخر. فنقطة التحوّل الحقيقية كانت حين دُفِعت "قسد" من موقع سلطة أمر واقع إلى موقع كيان يجري "ترتيبه" داخل الدولة، بما يعنيه ذلك من تبدّل للمكانة السياسية، وهو انتقال لا يحدث عادة بسلاسة، خصوصًا عندما تكون أدوات النفوذ الأساسية مرتبطة بالسلاح وبملف أمني ضخم كملف المعتقلات.
ولعلّ التسريب الذي تداولته وكالة "أسوشيتد برس"، عن الطلب من "قسد" الاندماج ضمن وزارتي الدفاع والداخلية في الدولة السورية، يفسّر جانبًا من التوتر، ولا سيما أنه ترافق مع إشارات إلى أنّ واشنطن باتت تدعم اتجاه "مركزة السلطة"، وأن الدور المستقل لـ"قسد" لم يعد ضروريًا بالشكل الذي كان عليه سابقًا. هنا، أدركت الأخيرة أنها لا تخسر ورقة أمنية فقط، بل تخسر "وظيفة" كانت تمنحها وزنًا تفاوضيًا لدى الغرب، وبالتالي تفقد قدرتها على فرض الشروط.
أما التحول الثاني الذي أعطى للأحداث في شمال شرقي سوريا معناها الإقليمي، فجاء من واشنطن أيضًا، مع إعلان القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) إطلاق مهمة لنقل معتقلي "داعش" من شمال شرق سوريا إلى العراق "لضمان بقائهم في مرافق احتجاز آمنة"، وسط المخاوف من أمن السجون في شمال شرقي سوريا، وهو ما تزامن مع نقل 150 معتقلًا بالفعل، قد ينضمّ إليهم ما يصل إلى 7000 لاحقًا، بحسب ما ذكرت وكالة "رويترز".
وتُقرأ هذه الخطوة على أكثر من مستوى، فعلى المستوى الأمني هي تعني أنّ واشنطن لا تريد اختبار قدرة أي طرف محلي، مهما كان، على ضبط منشآت الاحتجاز، وأنّ أكثر ما يهمّها في لحظة إعادة توزيع السيطرة واحتدام الاحتكاك، هو تقليل خطر الانفلات مع تغيّر خطوط السيطرة. أما على المستوى السياسي، فتُقرأ الخطوة بمثابة "تدويل لإدارة الملف" عبر العراق، بدل بقائه ورقة محلية داخل الشمال الشرقي السوري.
بمعنى آخر، فإنّ نقل المعتقلين يعني أن الولايات المتحدة تُخرج أخطر ورقة من ساحة "ما بعد قسد" وتضعها في ساحة أخرى أكثر قابلية للضبط وهي العراق، بما يملكه من بنية احتجاز ومحاكمات وخبرة سابقة في الملف، ولو كان ذلك يفتح باب جدل حقوقي وسياسي واسع.
على خط موازٍ، عاد مخيم الهول إلى الواجهة كعنوان لما هو أبعد من الأمن الصرف، إذ تحدّثت تقارير عن دخول قوات حكومية إلى المخيم بعد انسحاب "قسد"، فيما وصفت المفوضية السامية للاجئين الوضع الأمني حوله بأنه "متقلب" إلى حد منع موظفيها من الدخول في أحد الأيام.
أهمية هذا التطور أنّ مخيم الهول ليس مجرد مخيم، بل مساحة تختلط فيها الهشاشة الاجتماعية بتراكمات التطرف والخوف، وبالتالي فهو عقدة تجمع آلاف الأشخاص من عائلات مرتبطة بـ"داعش"، وتحتاج إدارة شديدة الحساسية: أمنيًا، وقانونيًا، وإنسانيًا، ما يعني أن أي انتقال في إدارته لا يُقاس فقط بإجراءات الحراسة، بل بقدرة الجهة الجديدة على منع إعادة إنتاج المشكلة داخل المخيم.
بالنسبة إلى دمشق، فإن استعادة منشآت مثل سجن الأقطان، ثم الانتشار داخل مخيم الهول، ليست مجرد "عودة سيادية" بالمعنى التقليدي، بل عودة عبر الملف الأكثر قابلية لمنح الشرعية الدولية: "مكافحة الإرهاب". فالدولة التي تمسك بهذا الملف تقول عمليًا للعالم: "أنا من يملك القدرة على ضبط الخطر"، وهو خطاب يفتح أبوابًا سياسية، بمعزل عن الخلافات حول شكل السلطة وترتيباتها، وحول الديمقراطية وغيرها.
إلا أنّ ذلك يضع دمشق أيضًا أمام اختبارٍ مزدوج: كيف تمنع إعادة إنتاج التطرف في بيئة هشة، وكيف تدير ملفًا يراقبه العالم ويُحرج دولًا ترفض استعادة رعاياها منذ سنوات.
في الخلاصة، لا يوحي المشهد "ما بعد قسد" بفراغ مطلق بقدر ما يعني انتقالًا في "الوصاية" على الشمال الشرقي، لكنّ السؤال الذي سيحكم على نجاح المرحلة يبقى: هل يُدار هذا الانتقال بتفاهمات تمنع تفجّر الاحتكاكات وتضمن استقرار المناطق المحلية، أم أنه انتقال لن يتأخّر في خلق "توترات متقطعة" جديدة كلما تحرك مفتاح آخر من يد إلى أخرى؟
في الحالتين، المؤكد أن ما بعد "قسد" لا يعني نهاية الخطر، بل نهاية "الترتيب القديم". وفي لحظة كهذه، فإنّ المؤكد أيضًا أنّ ملف "داعش" (السجون والمخيمات) لن يكون تفصيلًا في السياسة السورية الجديدة، بل معيارها الأشد قسوة: معيار القدرة على السيطرة، لا على الخطاب.
المصدر:
النشرة