تشير التقديرات الإسرائيلية ، بحسب هيئة البث، إلى أن الولايات المتحدة ما زالت تتجه نحو تنفيذ هجوم ضد إيران ، مع تفضيل الرئيس الأميركي أن تكون الضربة كبيرة جدًا وذات تأثير واسع، لكن حتى الساعة لا يوجد توقيت محدد لتنفيذ ضربة أميركية على طهران. هذا المناخ الإقليمي المتوتر ينعكس مباشرة على الساحة اللبنانية ، حيث يبدو أن مرحلة جديدة من الترتيبات الأمنية والسياسية تُفرض بقوة الوقائع الميدانية والقرارات الدولية، فيما تتراجع فعالية الآليات السابقة التي أُنشئت لضبط الاشتباك، سواء في لبنان أو في سوريا .
وفي هذا السياق، ينظر إلى لجنة الميكانيزم المعنية بمتابعة اتفاق وقف إطلاق النار على أن الوقت تخطاها ، بعدما جمد الاتفاق عمليا، ومعه جمدت قدرة اللجنة على لعب دور حاسم في الملف الأمني. الطرح المتداول اليوم لا يتحدث، بحسب مصادر أميركية مطلعة، عن لجنة دولية متعددة الأطراف، بل عن إطار تفاوضي أميركي–إسرائيلي–لبناني في إحدى العواصم، مع توجّه واضح لدى
واشنطن نحو نسف اتفاق الهدنة والذهاب إلى اتفاق أمني وسياسي جديد، يترافق مع ضغوط لإعادة رسم خطوط الانتشار.
ورغم ذلك، يحاول لبنان التمسك بالميكانيزم وإرسال إشارات بأنه لا يمانع من توسيعها، إذ أشار رئيس الحكومة نواف سلام إلى أن الحكومة تسعى إلى تفعيل عملها، مع إمكان توسيع مشاركة مدنيين لبنانيين فيها، وأوضح أن خطة الجيش التي عُرضت على الحكومة لا تقتصر على جنوب الليطاني، بل تشمل كل الأراضي اللبنانية، وأن البلاد دخلت المرحلة الثانية من العملية بشكل تدريجي، لتشمل المنطقة الممتدة بين نهر الليطاني والأولي، ثم
بيروت الكبرى، فالبقاع والمناطق الأخرى.
وسط كل ذلك، يتصاعد الحديث عن إنشاء منطقة عازلة في الجنوب ومنع أي إمكانات للحياة فيها، فيما يواصل الجيش
الإسرائيلي ضربه بالنار في شمال الليطاني. وفي خلفية هذا التوجه، أعلن رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير تبنّي جيش الاحتلال استراتيجية جديدة متعدّدة المحاور والمستويات تمثّل تحولا جذريا في العقيدة الأمنية الإسرائيلية، تقوم على الاستعداد الدائم لحرب مفاجئة استنادًا إلى ما أسماه دروس هجوم 7 أكتوبر، وترتكز على فرضية اندلاع حرب مباغتة من كل الجبهات من دون إنذار مسبق، وهي فرضية قال إنها أصبحت السيناريو المرجعي لخطط الجيش المستقبلية. ووفق هذه العقيدة، لا يعود هناك فصل واضح بين الدفاع والهجوم، بل انتقال سريع إلى المبادرة العسكرية وضرب القدرات قبل تراكمها، حتى في فترات يُفترض أنها خاضعة لترتيبات تهدئة، ما يجعل من المنطقة العازلة عنصرا بنيويا في الأمن الإسرائيلي طويل الأمد في جنوب لبنان وعلى الجبهة
السورية .
في المقابل، تؤكد الدولة اللبنانية والجيش أن جنوب الليطاني أصبح تحت عهدتهما، ما يعني أن هذا الانتشار يُفترض أن يمنع اجتياحا بريا واسعا، لكن السؤال الذي يفرض نفسه يبقى، ماذا سيفعل الجيش إذا حصل اجتياح فعلي؟ هنا يظهر مأزق المؤسسة العسكرية، لا سيما أن الخطورة تكمن في تمسك
إسرائيل بما تريده أمنيًا وفرض وقائع ميدانية وتثبيت ترتيبات دائمة، علما ان مصادر أميركية تشير إلى عدم وجود نيةٍ إسرائيلية للقيام بأي اجتياح، وإنما هناك استمرار في التصعيد وحرب الاستنزاف.
وعليه، يمكن القول، بحسب المصادر الأميركية، إن لبنان يعيش مرحلة انتقالية دقيقة، تزامن فيها فشل الميكانيزم مع تبدّل في المقاربات الدولية.
العرض الذي كان مطروحًا سابقا، والقائم على أن يسلم الحزب سلاحه للجيش مقابل غضّ النظر عنه إلى أن يتحول حزبا سياسيا، انتفى اليوم أميركيا، بعدما اتخذ قرار أوسع في واشنطن بحل الحركات المسلحة في المنطقة وإضعافها عسكريا وسياسيا، في سياق يشمل ملفات متعددة من الأكراد إلى المجلس الانتقالي في اليمن. وبذلك لم يعد الاقتراح على الطاولة، لأن التوجّه الأميركي هو إنهاء الحزب عسكريًا وإضعافه سياسيًا.
وليس بعيدا، يقر الأميركيون بأن أخطاء لبنان الرسمية كانت كثيرة، وأن ما تحقق حتى الآن من حزمة المطالب التي تتقدمها مسألة سلاح الحزب، وتصحيح العلاقات مع سوريا، وتنفيذ الإصلاحات الداخلية، لا يزال في بدايات الطريق ولا يرقى إلى مستوى المطلوب دوليا.