ما الذي تغيّر بين تشرين الثاني الماضي وبين كانون الثاني حتى قرّر قائد الجيش العماد رودولف هيكل زيارة
واشنطن بداية الشهر المقبل، وما هي المستجدات التي طرأت على الساحة
اللبنانية ، والتي أدّت إلى إنضاج ظروف هذه الزيارة، وهل تأتي متزامنة مع المؤتمر الذي سيعقد في آذار المقبل لدعم الجيش، أم أنها نتيجة طبيعية لأداء المؤسسة العسكرية في جنوب الليطاني والاستعداد الكامل لتنفيذ ما تبقّى من الخطة العسكرية شمال الليطاني، ولاحقًا في كل
لبنان ، وهل لهذه الزيارة علاقة بالتطورات الحاصلة على مستوى لجنة "الميكانيزم"؟
أسئلة كثيرة لا يمكن إلا أن تُطرح من مختلف الزوايا، ولكن من دون أن يعني أن هذه الزيارة ستحمل معها كل الأجوبة الممكنة، خصوصًا أن لا أحد يستطيع أن يستنتج مسبقًا ما سيكون عليه موقف الإدارة الأميركية برئاسة الرئيس
دونالد ترامب ، صاحب المفاجآت اليومية الصاخبة.
لم يكن خبر زيارة قائد الجيش المزمع القيام بها بين 3 و5 شباط المقبل لواشنطن حدثًا فريدًا في روزنامة العلاقات العسكرية بين لبنان والولايات المتحدة الأميركية، ولا يمكن بالتالي اختصارها بإطار بروتوكولي أو تقني منفصل عن المسارات السياسية، التي تحكم العلاقات التاريخية بين
بيروت وواشنطن.
فهذه الزيارة، التي جاءت بعد إلغاء زيارة سابقة كانت مقرّرة في تشرين الثاني الماضي، كما تراها أوساط ديبلوماسية، تحمل في توقيتها ومضمونها دلالات سياسية وأمنية تتجاوز شخص القائد إلى موقع المؤسسة العسكرية في قلب الصراع على مستقبل الدولة اللبنانية.
فإلغاء الزيارة الأولى لم يكن يومها مؤشر فتور أميركي أو اعتراض على أداء الجيش، بل نتيجة مباشرة لغياب المشهد الواضح نظرًا إلى كثافة الضباب، الذي غطّى سماء المنطقة، في ظل عدم رضى واشنطن على أداء الحكومة اللبنانية، التي أبدت عدم جدّية كافية تتناسب مع أهمية ما اتخذته من قرارات في جلستي 5 و7 آب الماضي، وهذا ما أدّى إلى عدم بلورة موقف سيادي جامع. فواشنطن لم تكن مستعدة، في تلك اللحظة، لمنح غطاء سياسي أو رمزي لزيارة قائد جيش في بلد لا يزال قراره الأمني موزّعًا بين الدولة واللادولة، خصوصًا أن بعض ما أدلى به العماد هيكل في وقتها من تصريحات اعتبرها الجانب الأميركي غير متطابقة مع المواصفات الأميركية في منطقة تغلي.
أمّا اليوم فالمشهد اللبناني بخلفيته العامة قد تغيّر من وجهة نظر واشنطن. فالخطاب الرئاسي يبدو أكثر وضوحًا وتشدّدًا بالنسبة إلى حصرية السلاح، مع الارتياح العام بعد انتهاء الجيش من تنفيذ المرحلة الأولى من مهامه جنوب الليطاني، والاستعداد التام للانتقال إلى المرحلة الثانية شمال النهر. فهذه العناصر وغيرها من المؤشرات السياسية الإيجابية على الساحة اللبنانية على المستوى السيادي دفعت
الولايات المتحدة إلى إعادة تفعيل التواصل المباشر مع قيادة المؤسسة العسكرية. من هنا، تأتي زيارة العماد هيكل لواشنطن في توقيت محسوب، كترجمة عملية لعودة الرهان الدولي على دور الجيش باعتباره المرجعية الأمنية الوحيدة القابلة للحياة.
الرسالة الأساسية التي تريد أن توجهها واشنطن عبر هذه الزيارة واضحة، ومفادها أن لا استقرار في لبنان من دون جيش قوي ومتماسك، وممسوك القرار، ومدعوم سياسيًا وماليًا. وهذا الدعم ليس تفويضًا لأي صدام مع أي مكّون لبناني، بل غطاء لمسار تدريجي يعيد الاعتبار لمنطق الدولة السيدة القابضة على قرار الحرب والسلم.
الأهم من كل هذا أن الزيارة تضع شمال الليطاني، للمرة الأولى، على طاولة النقاش الدولي الجدي. فإذا كان جنوب الليطاني قد خضع، ولو نظريًا، لمعادلات جديدة بعد وقف النار، فإن ما يجري التحضير له يتجاوز تلك المنطقة نحو إعادة تثبيت دور الجيش في كامل الجغرافيا الحسّاسة. فواشنطن تريد من جهتها إشارات إلى قدرة الجيش على الانتشار وضبط الواقع الأمني، فيما يريد الجيش ضمانات بألّا يُترك وحيدًا في مواجهة ضغوطات الداخل وتعقيدات الخارج.
إلاّ أنه في المقابل لا يمكن فصل هذه الزيارة عن التصعيد غير المسبوق في خطاب قيادة "
حزب الله "، إذ أن إعادة وصل الخط المباشر بين واشنطن واليرزة، وتعزيز مكانة المؤسسة العسكرية، يضرب جوهر السردية التي قامت عليها معادلة السلاح خارج الدولة، أي غياب البديل. من هنا، يُفهم لماذا جاء ردّ
الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم عالي السقف، ولماذا بدا وكأنه استباق لأي تحوّل تدريجي في موازين القوة الرمزية داخل الدولة.
في البعد الأوسع، تشكّل زيارة العماد هيكل جزءًا من تحصين الجيش قبل الاستحقاقات المقبلة، كالنقاش الوطني حول السلاح، وتأثير الضغوطات الدولية المتصاعدة، ومحاولات إقليمية لاستخدام لبنان كورقة تفاوض. فالولايات المتحدة، ومعها شركاء دوليون، تريد مؤسسة عسكرية متماسكة، غير محاصَرة معنويًا، وقادرة على الصمود في وجه الانهيار العام.
إن زيارة قائد الجيش المرتقبة لواشنطن هي لتكريس خيار الدولة عبر الجيش، ولتهيئة الأرضية لمرحلة ما بعد جنوب الليطاني، ولمنع انهيار آخر مؤسسة جامعة في لبنان. ولهذا تحديدًا تُقرأ هذه الزيارة بقلق في الضاحية الجنوبية، ويُرفع السقف السياسي في مواجهتها، لأن الدعم الصامت للجيش أخطر على منظومة السلاح من أي خطاب عدائي مباشر.