يدخل لبنان أخطر مراحل اختبار الدولة أمام سلاح حزب الله . فبعد أن نجح الجيش في تثبيت حضوره جنوب الليطاني، ها هو يستعد لطرح خطته الخاصة بالمرحلة الثانية، أي حصر السلاح شمال النهر، حيث تكمن البنية العسكرية الأعمق لحزب الله والجماعات المسلحة الأخرى.
الاشكالية الصارخة أن حزب الله، الذي وافق وزراؤه على البيان الوزاري الذي ينص على حصرية السلاح بيد الجيش، وشارك نوابه في منح الثقة للحكومة على أساس هذا الالتزام، يرفض عمليًا أي نقاش في هذا الملف شمال الليطاني. هذا التناقض يضع الدولة أمام مأزق وجودي: كيف يمكن أن تنفذ خطة سيادية شاملة بينما أحد أبرز المكونات السياسية يضع خطوطًا حمراء لا تقبل النقاش؟
قبل الغوص في تفاصيل المرحلة الثانية من خطة حصر السلاح شمال الليطاني، لا بد من التوقف عند ما رافق المرحلة الأولى جنوب النهر من مواقف دولية وإقليمية، وما كشفته من تحديات على الأرض.
ويقول العميد المتقاعد ناجي ملاعب عبر "لبنان٢٤": "إن المرحلة الأولى من خطة حصرية السلاح حظيت بترحيب واسع خارجيا ولا سيما من قوات الطوارئ الدولية واللجنة الخماسية، التي رأت في انتشار الجيش خطوة إيجابية نحو تثبيت السيادة. لكن
إسرائيل ، على الضفة الأخرى، رفضت الاعتراف بإنجاز هذه المرحلة، معتبرة أن المنازل في الجنوب ما زالت تحتوي على أسلحة،ومستمرة في القصف من دون احترام لجنة وقف الأعمال العدائية أو الالتزام بالآليات المتفق عليها. ورغم إعلان لبنان انتهاء المرحلة الأولى، تصر إسرائيل على التشكيك بقدرات الجيش ، وتتهمه أحيانًا بالتواطؤ، وهي لا تفرّق بين جنوب الليطاني أو شماله في استهدافاتها، بل تضرب حيث ترى هدفًا. هذا التباين بين الترحيب الدولي والرفض
الإسرائيلي يضع لبنان أمام معادلة دقيقة،حيث يسعى الجيش إلى تثبيت سيادته وسط ضغوط متناقضة من الخارج وتحديات داخلية لا تقل خطورة".
شمال الليطاني ... الثقل العسكري الأكبر لحزب الله
تشير التقديرات الميدانية إلى أن المرحلة الأولى من حصر السلاح، رغم اهميتها، لم تمسّ مركز الثقل العسكري الفعلي، ما يستدعي مقاربة شاملة ومتدرجة تحت سقف الدولة، لمنع الانزلاق إلى مواجهة أوسع.
وحسب ملاعب، "فإذا كان الجنوب، رغم وجود حوالى 12 ألف جندي دولي و8 آلاف جندي لبناني مع مراقبة إسرائيلية ، قد كشف عن وجود 177 نفقًا وأكثر من 132 ألف قطعة سلاح وذخيرة، فإن ما وراءه شمال الليطاني يعكس واقعًا أخطر بكثير. فحجم الأسلحة غير محدد، مع انتشار أوسع لحزب الله وقدرات اكثر تطورًا، وحرية حركة أعلى بفعل غياب الرقابة الدولية المباشرة".
ويضيف ان " منطقة وادي جنتا شمال الليطاني على سبيل المثال، تُعتبر خط إمداد رئيسي لحزب الله، خصوصًا في خلال الحرب
السورية ، حيث كانت الأسلحة تصل عبر المعابر الحدودية في جرود جنتا ويحفون ومعربون، وإسرائيل تستهدفها بشكل متكرر بالغارات الجوية، نظرًا لاعتبارها مراكز ثقل عسكري ومخازن محتملة للصواريخ طويلة وبعيدة المدى والأسلحة الثقيلة والمسيرات".
وتوضح مصادر أمنية لـ"لبنان٢٤" أن أبرز مناطق النفوذ العسكري لحزب الله تتمركز في بعلبك الهرمل، النبطية، وإقليم التفاح، والضاحية الجنوبية لبيروت.
في الاتجاه الصحيح
إن لبنان يقف على أرضية سياسية أفضل مما يُروّج الإعلام الإسرائيلي. فالدولة
اللبنانية ، بدعم المجتمع الدولي، تُعتبر الطرف الشرعي الوحيد القادرعلى ضبط السلاح وحماية الاستقرار.
ورغم التردد الأميركي، فإن الدعم المالي والسياسي للجيش،حسب العميد المتقاعد ناجي ملاعب، يؤكد أن مسار حصر السلاح بيد الدولة ليس مجرد شعار، بل مشروع واقعي يتقدم بخطوات محسوبة، تحت غطاء دبلوماسي وزمني يعمل لصالح لبنان.
ويقول ملاعب: "اليوم، الوقت يعمل لصالح لبنان والدبلوماسية ناشطة، ورغم أن
الولايات المتحدة بدت مترددة، وألغت مواعيد قائد الجيش قبل أن تعيد تحديدها لاحقًا، فإن الكونغرس وافق على دعم لبنان بـ90 مليون دولار، إضافة إلى استعداد
واشنطن لدعم الجيش في المؤتمر المقرر عقده في آذار المقبل".
الوحدة الداخلية ... شرط السيادة
كما يرى كثيرون أنه إذ لم ينجح الجيش في فرض سيادة
الدولة على كامل الأراضي اللبنانية، فإن إسرائيل ستستغل ذلك لتبرير استمرار اعتداءاتها وربما شن حرب واسعة. لذلك، يؤكد ملاعب ان التماسك الداخلي خلف موقف رسمي واحد ضرورة وطنية، لا مجرد خيار سياسي. ويقول:"إن وحدة الموقف اللبناني، سواء في الحكومة أو في البرلمان أو عبر القوى السياسية، هي الضمانة الوحيدة لردع إسرائيل ومنعها من فرض أجندتها بالقوة، وهي المدخا الطبيعي للانتقال إلى المرحلة الثانية من الخطة بثبات وثقة.
ومع ذلك، يرى ملاعب ان "الاحتلال لا يزال قائمًا، والعدوان الإسرائيلي مستمر بلا توقف، ومصير الأسرى معلق، والمؤسف أن يُبرر هذا العدوان بدلًا من الوقوف خلف الدولة ودعمها في مسارها السيادي".
إن مسار حصر السلاح بيد الدولة لم يعد مجرد شعار سياسي أو مطلب خارجي، بل هو قرار داخلي يعكس حاجة لبنان إلى تثبيت سيادته الكاملة وترتيب بيته الداخلي.
اليوم، الوقت والدبلوماسية يعملان لصالح لبنان، والدعم الدولي يؤكد أن المجتمع الدولي يرى في الدولة اللبنانية الطرف الشرعي الوحيد القادر على حماية الاستقرار. لذلك، فإن المرحلة الثانية شمال الليطاني ليست مجرد اختبار عسكري، بل هي معركة وجودية على معنى الدولة نفسها.