تقف وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين ( الأونروا ) على حافة انهيار غير مسبوق، في واحدة من أخطر المراحل التي تواجهها منذ تأسيسها، في ظل تصاعد الضغوط السياسية وتفاقم أزمتها المالية، الأمر الذي يضع دورها الإنساني والقانوني أمام اختبار حاسم، ويثير مخاوف فلسطينية متزايدة من مخطط يستهدف إنهاء عملها تدريجيًا.
وتتضاعف هذه المخاوف مع اقتراب انتهاء ولاية المفوض العام للأونروا، فيليب لازاريني ، في آذار 2026، بالتوازي مع تحذيرات متزايدة من مساعٍ منظمة لإضعاف الوكالة وشل قدرتها على الاستمرار، تمهيدًا لنقل مسؤولياتها إلى الدول المضيفة للاجئين الفلسطينيين.
مصادر فلسطينية مسؤولة أعربت عن قلقها البالغ إزاء سلسلة مؤشرات وقرارات وصفتها بالخطيرة والصادمة، تشي بمسار متسارع نحو تقويض الوكالة.
أولًا: العجز المالي المتوقع في موازنة الأونروا لعام 2026، في ظل تراجع دعم الدول المانحة بأكثر من 50%. وتشير التقديرات إلى أن العجز قد يصل إلى نحو 40% من إجمالي الميزانية الاعتيادية لها، المقدّرة بنحو 959 مليون دولار، ما يهدد استمرارية الخدمات الأساسية التي يعتمد عليها ملايين اللاجئين الفلسطينيين.
وترى المصادر أن هذا التراجع المالي لا يمكن فصله عن الضغوط السياسية المستمرة، وحملة ممنهجة تقودها إسرائيل بدعم أميركي، تستهدف تقويض دور الأونروا بوصفها الشاهد الدولي الأبرز على قضية اللاجئين وحقهم في العودة.
ثانيًا: إنهاء عقود 560 موظفًا من العاملين في قطاع غزة، عقب خروجهم القسري إلى جمهورية مصر العربية ، في خطوة اعتُبرت مؤشرًا أوليًا على سياسة الانكماش المالي.
وتكمن خطورة هذا الإجراء في تزامنه مع خطوات إسرائيليّة متسارعة تهدف إلى إنهاء عمل الوكالة، إذ أقرّ الاحتلال خلال الفترة الماضية سلسلة قوانين وقرارات تتهم الأونروا وموظفيها بـ«الإرهاب»، وتقيّد عملها وتمنع تقديم خدماتها، في محاولة واضحة لتجفيف دورها وتقويض شرعيتها الدولية.
ثالثًا: قرار المفوض العام حسم 20% من رواتب موظفي الأونروا وتقليص ساعات العمل، وهو ما حذّرت المصادر من انعكاساته الخطيرة على العملية التعليمية والخدمات الصحية والاجتماعية، في ظل اعتماد شرائح واسعة من اللاجئين الفلسطينيين بشكل شبه كامل على خدمات الوكالة.
وتخشى المصادر الفلسطينية من أن تكون هذه الإجراءات أبعد من كونها محاولات لمعالجة العجز المالي، معتبرة أنها تشكّل ترجمة عملية لمخطط سياسي أوسع يهدف إلى إنهاء عمل الأونروا، ونقل أعبائها إلى الدول المستضيفة للاجئين، بما يؤدي إلى شطب قضية حق العودة ، وخلق أزمات إضافية لهذه الدول، فضلًا عن إعفاء الاحتلال الإسرائيلي من مسؤولياته السياسية والقانونية تجاه اللاجئين الفلسطينيين.
غضب وتحركات
في ظل هذا المشهد القاتم، ومع حذف اسم فلسطين من بعض المناهج التعليمية، تصاعدت حالة الغضب في أوساط اللاجئين الفلسطينيين في لبنان ، حيث شهدت المخيمات تحركات احتجاجية رفضًا لهذه السياسات.
وعلمت «النشرة» أن اتحاد المعلمين لدى الأونروا أقرّ مسارًا تصعيديًا نقابيًا، التزامًا بإعلان نزاع العمل الصادر عن المؤتمر العام لاتحادات العاملين المحليين في الوكالة، مؤكدًا المضي في هذا المسار وصولًا إلى الإضراب المفتوح والشامل، في حال عدم التراجع الفوري والكامل عن قرارات المفوض العام وإدارته.
ويتضمن الأسبوع الأول من التحركات تعليق العمل في المدارس خلال الساعتين التدريسيّتين الأخيرتين من كل يوم، وصرف الطلاب، وتنفيذ وقفات احتجاجية، على أن تُختتم هذه المرحلة باعتصام مركزي يوم الخميس 22 كانون الثاني، عند الساعة الحادية عشرة والنصف صباحًا، أمام مكاتب الأونروا في المناطق.
وتؤكد مصادر فلسطينية لـ«النشرة» أن خطورة مواجهة قرارات الوكالة تكمن في الانقسام الفلسطيني، سواء على المستوى السياسي بين حركتي فتح وحماس، أو على المستوى النقابي بين الاتحاد العام لموظفي الأونروا واتحاد معلميها، ما يستدعي تجاوز الخلافات والتوافق على قواسم مشتركة لإدارة المواجهة.
وقد قاربت حركة فتح رؤيتها للقضية واعلنت وقوفَها الكامل إلى جانب موظفي "الأونروا" وحقوقهم المشروعة، وتؤكّد أنّها ستتّخذ، بالتعاون مع القوى والفعاليات الوطنية، خطوات تصعيدية تدريجية ومدروسة، تهدف إلى حماية حقوق الموظفين واللاجئين، وضمان استمرار خدمات الوكالة. مشدّدةً على أنّ الحركة كانت وستبقى صمّام الأمان لقضية اللاجئين، ولن تسمح بمرور أي مؤامرة تستهدف تصفية "الأونروا" كشاهدٍ على حق العودة، تحت مظلّة القيادة الفلسطينية برئاسة محمود عبّاس.
بالمقابل، حذّرت دائرة العمل الجماهيري في حركة حماس في لبنان، من التداعيات الخطيرة لقرار المفوض العام للأونروا فيليب لازاريني، معتبرة أن هذه الإجراءات تشكّل جريمة إنسانية تمسّ حقوق الموظفين وتنعكس مباشرة على مجمل اللاجئين الفلسطينيين وخدماتهم الأساسية. رأت الحركة أن "هذه الخطوات تندرج ضمن مسار متدرّج وخطير يستهدف إنهاء عمل الأونروا وتفريغها من دورها، عبر نقل مسؤولياتها ووظيفتها إلى الدول المضيفة، الأمر الذي يهدد حق العودة، ويحمّل الدول المستضيفة أعباء إضافية".
المصدر:
النشرة