آخر الأخبار

إيران بين خطاب النجاة التفاوضي وخطاب التحدّي التعبوي

شارك

في خضمّ الاضطرابات المتصاعدة في الداخل ال إيران ي، يبدو أنّ المشهد يتجاوز فترة احتجاجات اعتيادية، ليقترب من لحظة اختبار بنيوي للنظام نفسه. ما يلفت الانتباه ليس فقط اتساع رقعة الغضب الشعبي، بل تزامنه مع تصدّعات خارجية وإقليميّة تجعل من إيران اليوم عقدة التوازن الأخيرة في صورة الشرق الأوسط الجديد الذي يتم الحديث عنه بقوّة، وبدأت ملامحه بالظهور بشكل واضح.

أولى مفارقات هذه اللحظة تكمن في التناقض الحاد بين الخطابين الإيراني والأميركي. فمن جهة، يروّج الرئيس الأميركي دونالد ترامب لكلام مفاده أنّ طهران تبعث برسائل سرية تعبّر فيها عن رغبة في التهدئة وفتح قنوات الحوار والتفاهم، في محاولة واضحة لاضعاف النظام الإيراني وإظهار التفوق الأميركي على الصعد كافة. ومن جهة مقابلة، يخرج المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية علي خامنئي بخطاب تصعيدي، يشبّه فيه مصير ترامب بمصير فرعون، ومعتمداً لغة "الصمود العقائدي" التي يتم اللجوء اليها في لحظات الضغط الكبرى. هذا التناقض لا يعكس فقط حرب رسائل بين عدوّين، بل يكشف ان ايران باتت بين خيارين كلاهما صعب: هل الأولويّة للنجاة عبر التفاوض غير المعلن، أم للتماسك الداخلي عبر خطاب التحدّي؟ يزداد هذا الارتباك عمقاً في ظل مؤشرات ميدانية لا يمكن تجاهلها: تحضيرات عسكرية أميركيّة، تحذيرات دولية لرعايا الدول بمغادرة إيران فوراً، ومناخ عام يوحي بأن خيار القوة لم يعد مستبعداً، وهو ما من شأنه تحويل الضغط الخارجي من عامل ردع إلى عنصر تأزيم داخلي، إذ يضع النظام أمام معادلة مستحيلة: أي تصعيد أمني داخلي ضد المتظاهرين يستثمر دولياً لتبرير ضربة خارجيّة، وأيّ تراجع قد يتم تفسيره داخلياً على انه بوادر انهيار النظام.

في هذا الفراغ، يبرز اسم رضا بهلوي (نجل شاه إيران الراحل) كلاعب يسعى لاستثمار اللحظة التاريخية. إعلانه الاستعداد لتسلّم مقاليد الحكم، ودعوته العلنية للمتظاهرين إلى التصعيد، لا يمكن قراءتهما فقط كحنين ملكي أو طموح شخصي، بل كمؤشر على أن فكرة "ما بعد الجمهورية الإسلامية" لم تعد من المحرّمات السياسية. خطورته لا تكمن في قوته الفعلية، بل في رمزيته: فهو يقدّم نفسه كخيار انتقالي مدعوم خارجياً، في مقابل نظام يشيخ ويعجز عن تجديد شرعيته، وكدافع للقوى التغييرية داخل ايران لعدم الخوف من التحرك.

أما الموقف الأوروبي، فيبدو الأكثر قسوة. التخلي السريع عن إيران، والاستعداد لفرض عقوبات جديدة، يعكسان إدراكاً أوروبياً بأن الرهان على احتواء النظام أو إصلاحه من الداخل قد فشل. أوروبا، التي طالما لعبت دور الوسيط "العاقل" بين واشنطن وطهران، تبدو اليوم مستعدة للانضمام إلى منطق إدارة الانهيار بدل منطق منعه، حمايةً لمصالحها واستباقاً للفوضى.

لكن البعد الأخطر في كل هذا يتجاوز إيران نفسها، ليطال ميزان القوى الإقليمي. فسقوط النظام الإيراني، إن حصل، لن يكون مجرد تغيير داخلي، بل سيشكّل الحلقة الأخيرة في سلسلة انهيارات طالت القوى التي شكّلت تاريخياً محور ممانعة عسكرية في وجه إسرائيل. حزب الله خرج مثقلاً ومقيّداً، حماس ضُربت في عمقها، سوريا أُنهكت، العراق جرى تحييده سياسياً، و اليمن جرى احتواؤه. عندها، ستبقى إسرائيل القوة العسكرية الوحيدة المتماسكة والقادرة على فرض وقائع إقليميّة بلا منافس فعلي.

من هنا، فإن ما يجري في إيران اليوم لا يمكن اختزاله في شعارات الشارع أو بيانات العواصم. نحن أمام لحظة فاصلة قد تعيد تعريف مفهوم "التوازن" في الشرق الأوسط. فإما ينجح النظام الإيراني في عبور العاصفة عبر تسوية داخلية وخارجية مؤلمة، أو يدخل المنطقة كلها في مرحلة تفوّق أحادي غير مسبوق، ستكون كلفته الاستراتيجية أكبر بكثير من حدود إيران نفسها.

النشرة المصدر: النشرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا