آخر الأخبار

بين مواقف عون وتصعيد إسرائيل.. أين تقف الدولة أمام ضغط حصرية السلاح؟

شارك
لم يكن عاديًا أن تأتي إطلالة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون التلفزيونية، التي كانت مُنتظَرة لما قد تحمله من مواقف ربطًا بملف حصرية السلاح، بالتزامن مع موجة غارات إسرائيلية كثيفة، وإن لم يكن مُستغربًا أيضًا، كونها ليست المرة الأولى التي تعمد فيها تل أبيب إلى استخدام أسلوب "الرسائل بالنار"، الذي اعتمدته مرارًا وتكرارًا خصوصًا بعد مبادراته المتكرّرة للتفاوض لحلّ المسائل العالقة.

هكذا، بدا المشهد مرّة أخرى، وكأنّه تقاطع بين مسارين: من جهة، خطاب سياسي "حازم" في الشكل، يربط السيادة بقرار السلم والحرب وبناء الدولة، يستند إلى إنجاز المرحلة الأولى من خطة حصر السلاح، والاستعداد لبدء المرحلة الثانية، ومن جهة أخرى، مسار ميداني يتصاعد بإيقاع إسرائيلي لا يترك للحكومة ولا للجيش هامشًا واسعًا للمناورة، وهو الذي يشوّش على المسار بإبقائه على احتلال مواقع حدودية عدّة.


اللافت أن التصعيد الإسرائيلي لم يقتصر على نطاق حدودي تقليدي، بل أخذ شكلًا مركّبًا: غارات، إنذارات، واستهدافات موضعية، في لحظة تقول فيها إسرائيل عمليًا إن منطقة شمال الليطاني أصبحت مسرح عملياتها الأساسية، فيما يحاول لبنان تثبيت معادلة "الدولة أولًا" من دون الانزلاق إلى فراغ أمني أو فتنة داخلية، ما يدفع إلى التساؤل: هل تملك الدولة رفاهية الوقت وهي تحاول تثبيت قرار "حصرية السلاح" وإعادة ضبط قواعد الاشتباك؟


أي رسائل أراد عون تثبيتها؟


في مقابلته التلفزيونية، وجّه الرئيس جوزاف عون سلسلة رسائل في غاية الأهمية، أولها كانت داخلية بامتياز، مفادها أنّ حصرية السلاح ليست "طلبًا خارجيًا"، بل بند تأسيسي لبناء الدولة ومذكور في اتفاق الطائف، ومرتبطة مباشرة بحصرية قرار السلم والحرب. وهو شدّد على أن القرار اتُّخذ في مجلس الوزراء ، وأن الجيش ينفّذه "وفق ظروفه" وإمكاناته، في تلميح واضح إلى أن التنفيذ ليس شعارًا بل مسارًا طويلًا مرتبطًا بالميدان وبالقدرات.


الرسالة الثانية، والأكثر حساسية، هي نقل النقاش من "سلاح المقاومة " إلى سؤال "وظيفة السلاح". عون قال إن السلاح وُجد في مرحلة لم يكن فيها الجيش حاضرًا بالمعنى العملاني، لكن "الظرف انتفى"، وبقاء السلاح بات "عبئًا" على لبنان وعلى بيئته. بهذا المعنى، حاول الرئيس وضع سقف سياسي جديد: حماية الأرض مسؤولية الدولة وحدها، وليس "فئة" من الشعب مضطرة لحمل العبء إلى ما لا نهاية.


أما الرسالة الثالثة فتموضعت في الإقليم: رفض "سياسة المحاور" والتأكيد أن لبنان لن يكون منصة تهدّد استقرار أي دولة، بالتوازي مع نفيه روايات عن وجود "ضباط كبار" من النظام السوري السابق في لبنان، والتشديد على التنسيق الأمني والقضائي مع دمشق. ولعلّه بذلك يحاول حماية لبنان من تحوّله صندوق بريد لصراعات الآخرين، لأن أي "تصنيف" للبنان كقاعدة عمليات سيضاعف الضغوط عليه في لحظة هو بأمسّ الحاجة فيها إلى مظلة عربية ودولية.


إسرائيل ترفع السقف.. لماذا الآن؟


ميدانيًا، يبدو أنّ الصورة تتّجه صعودًا، إذ شهدت الأيام القليلة الماضية غارات واسعة واستهدافات في الجنوب، بينها ضربات طالت بلدات ومناطق متعددة، مع توسيع نطاق "الإنذارات" أو الاستهدافات الموضعية بذرائع متبدّلة تُستخدم عند الحاجة. ويقول المطّلعون إنّ هذا النوع من العمليات لا يهدف فقط إلى تدمير هدف بعينه، بل إلى تثبيت "قابلية الضرب"، أو "حرية التحرك"، في أي وقت، وإبقاء الجنوب تحت ضغط دائم.


الأخطر أن هذا الإيقاع يحصل رغم أن وقف الأعمال العدائية بدأ في 27 تشرين الثاني 2024، وإن أصبح عدم التزام الجانب الإسرائيلي به "قاعدة" لا "استثناء"، لكن أيضًا رغم استمرار الحديث عن ترتيبات أمنية جنوبًا، وإنجاز مرحلة تمهيدًا لأخرى. ويقول العارفون إنّ استمرار الضربات "شبه اليومية" وبقاء قوات إسرائيلية في نقاط داخل الجنوب، يعني أن إسرائيل ما زالت تتعامل مع الاتفاق كإطار مرن، وأنها مصرّة على مبدأ "النار فوق التفاوض".


وفي الخلفية، ثمة سردية إسرائيلية تتكرر: "الجهد اللبناني غير كافٍ"، وهو ما كرّره رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الأسبوع الماضي، بعيد جلسة الحكومة التي حدّدت شباط المقبل موعدًا للانتقال إلى المرحلة الثانية من خطة "حصرية السلاح". بهذا المعنى، يمكن أن يُفهَم التصعيد على أنه بمثابة أداة لإجبار الدولة على تسريع خطواتها، لكن من دون أن تمنحها إسرائيل وقتًا ولا ضمانات لخفض النار.


الوقائع تضع الدولة أمام معادلة مزدوجة القسوة: من جهة، عون يرفع سقف القرار السيادي داخليًا ويعيد تموضع الدولة كمرجعية وحيدة للسلاح وقرار الحرب، ومن جهة أخرى، إسرائيل ترفع سقف النار بما يشبه "سباق الوقت" قبل أن ينضج أي مسار لبناني متدرّج. وبينهما، يبدو أن عنوان الأيام المقبلة سيكون: هل تستطيع الدولة تحويل خطاب "الحصرية" إلى خطة حماية فعلية، أم أن "الرسائل بالنار" ستسبق أي تثبيت لقواعد جديدة؟
لبنان ٢٤ المصدر: لبنان ٢٤
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا