في شكل مُطرد ودراماتيكي، ارتفعت حصيلة الاحتجاجات المُستمرة في إيران منذ أُسبوعين اثنَيْن، إلى 192 قتيلا على الأقل، بحسب ما أفادت مُنظمة حُقوقية الأحد، فيما تصاعدت التحذيرات من ارتكاب قوات الأمن "مجزرة" لقمع التظاهُرات.
وكانت تواصلت الاحتجاجات ضد السُلطة في إيران خلال الليل. وبينما أشارت السُلطات إلى توقيفات واسعة، حذرت مُنظمة حقوقيّة الأحد من ارتكاب قوات الأمن "مجزرة" لقمع التظاهرات غير المسبوقة منذ ثلاث سنوات، في وقت ما زالت خدمات الإنترنت محجوبة.
وتحولت الاحتجاجات التي بدأت في 28 كانون الأول2025، بإضراب نفذه تجار في بازار طهران على خلفية تدهور سعر صرف العملة والقدرة الشرائيّة، إلى حراك مُستمر منذ أسبوعين يرفع شعارات سياسية مُناهضة للنظام القائم منذ الثورة الإسلامية في العام 1979.
وتُشكّل التظاهرات أحد أبرز التحديات التي تُواجهها الجُمهورية الإسلامية بقيادة مرشدها الأعلى علي خامنئي (86 عاما)، عقب حرب مع "إسرائيل" استمرت 12 يوما في حزيران الماضي، وألحقت أضرارا بالبُنية التحتية النووية والعسكرية وشملت أهدافا مدنية. وقد تدخلت الولايات المُتحدة في هذه الحرب عبر قصف منشآت نووية رئيسية في إيران.
وأظهرت مقاطع "فيديو" نُشرت على مواقع التواصُل الاجتماعي، تظاهرات جديدة حاشدة في مدن إيرانية عدة، بينها العاصمة طهران ومدينة مشهد في شرق إيران، حيث بدت سيارات تحترق. وتسربت مقاطع الـ"فيديو" هذه، على رغم الحجب التام للإنترنت الذي تشهده إيران ويجعل التواصُل الطبيعي مع العالم الخارجي مُستحيلا، سواء عبر تطبيقات المراسلة أو حتى خُطوط الهاتف.
وأفادت منظمة "نتبلوكس" غير الحكومية، عبر "إكس"، بأن حجب الانترنت مُستمر منذ أكثر من ستين ساعة، معتبرة أن "إجراء الرقابة هذا يشكل تهديدا مباشرا لأمن الإيرانيين وجودة حياتهم في لحظة مفصلية لمستقبل البلاد".
المُستشفيات مُكتظة
وأفادت وكالة " هيومان رايتس أكتيفيستس " للأنباء في الولايات المُتحدة، بأنها تأكدت من مقتل 116 شخصا على صلة بالاحتجاجات، بينهم 37 من أفراد قوات الأمن أو مسؤولون آخرون. ولكن نشطاء شكَوا من أن انقطاع الإنترنت يُعيق إيصال المعلومات، وأن الحصيلة الفعلية قد تكون أعلى بكثير.
وأكدت مُنظمة "سنتر فور هيومن رايتس إن إيران" التي تتخذ من الولايات المُتحدة مقرا، من جهتها، أنها تلقت "إفادات شُهود عيان وتقارير موثوقة تُشير إلى مقتل مئات المُتظاهرين في أنحاء إيران خلال انقطاع الإنترنت الحالي". وجاء في البيان أن "مجزرة تجري في إيران، وعلى العالم أن يتحرك الآن لمنع المزيد من الخسائر في الأرواح". وأشارت إلى أن المستشفيات "مكتظة"، وأن مخزون الدم آخذ في النفاد، ملاحِظَة أن مُتظاهرين كثرا أُصيبوا في عيونهم بفعل أساليب تتعمد قوات الأمن اتباعها في مُكافحة التظاهرات.
توقيفات واسعة
نقلت وكالة "تسنيم"، عن وزير الداخلية الايرانية اسكندر مؤمني، قوله الأحد إن "أعمال التخريب" آخذة في الانحسار. وقال: "الاوضاع الأمنية في البلاد هي الان مُستقرة ومُناسبة بفعل جهود كُل الأجهزة المعنية وبخاصة قُوات حفظ الأمن، والتوتُرات وأعمال التخريب نحو الانحسار".
وفي تصريحات للتلفزيون الرسمي، مساء السبت، أكد مُؤمني أن "مَن يقودون الاحتجاجات نحو التدمير والفوضى والأعمال الإرهابية لا يدَعون صوت الشعب يُسمَع".
وأعلن قائد الشرطة الإيرانية العميد أحمد رضا رادان،توقيف عدد كبير من قادة حركة الاحتجاجات التي تشهدها الجُمهورية الإسلامية منذ أُسبوعين. وقال للتلفزيون الرسمي: "تم ليل أمس (السبت) توقيف عدد كبير من العناصر الرئيسيين الذين يقودون أعمال الشغب والإرهاب الذين سينالون عقابهم بإذن الله بعد سير المراحل القانونية"، من دون أن يُعطي تفاصيل عن عدد المُعتقلين أو أسمائهم.
وأفاد التلفزيون الرسمي الإيراني بأن الرئيس مسعود بزشكيان سيتناول في مقابلة معه الوضع الاقتصادي و"مطالب الشعب".
وميز أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني، بين الاحتجاجات على المصاعب الاقتصادية التي وصفها بأنها "مفهومة تماما"، و"أعمال الشغب"، مُعتبرا أنها "تشبه إلى حد كبير أساليب الجماعات الإرهابية"، بحسب ما نقلت عنه وكالة "تسنيم".
وتضاعفَ سعر اللُحوم تقريبا منذ بدء الاحتجاجات، فيما أقفلت متاجر كثيرة، على رغم استمرار بعضها في العمل.وحتى المتاجر التي تفتح أبوابها تضطر للإغلاق قرابة الرابعة أو الخامسة من بعد الظهر، حين تنتشر قوات الأمن بكثافة. وبدا السبت أن خُطوط الهاتف المحمول قد انقطعت أيضا، ما جعل التواصُل شبه مُستحيل.
الرئيس الإيراني
تزامُنا، شدد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان الأحد، في أول تصريح له بعد ثلاث ليال من الاحتجاجات المُتصاعدة ضد السلطات، على ضرورة عدم السماح لمن وصفهم بـ"مُثيري الشغب" بزعزعة الاستقرار في المُجتمع الإيراني.وصرح في حديثه إلى "هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية"الرسمية: "ينبغي للشعب الإيراني ألا يسمح لمُثيري الشغب بزرع الفوضى في المُجتمع. يجب أن يثق الشعب بأننا (أي الحُكومة) نسعى إلى إرساء العدالة".
تهديد للولايات المتحدة
دعا رضا بهلوي ، نجل الشاه محمد رضا الذي أسقطته الثورة الإسلامية وتوفي في 1980، إلى تحرُكات جديدة في وقت لاحق من الأحد. وقال بهلوي المُقيم في الولايات المُتحدة، والذي أدى دورا بارزا في الدعوة إلى الاحتجاجات: "لا تتركوا الشوارع. قلبي معكم. أعلم أنني سأكون قريبا إلى جانبكم".
وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب حذّر من أن بلاده "مُستعدة للتحرُك" إذا "أطلقت إيران النار على مُتظاهرين سلميين وقتلتهم".
وهدّد رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف ، من جانبه، باستهداف "القواعد والمراكز العسكرية والسفن الأميركية في المنطقة" إذا تعرضت إيران لضربة، في وقت تشهد الجُمهورية الإسلامية موجة احتجاجات واسعة. وقال قاليباف أمام المجلس في تصريحات بثها التلفزيون الرسمي، ونَقلت نصها بالعربية وكالة "تسنيم": "إذا هوجمَت إيران، فإن الأراضي المُحتلة (في إشارة على ما يبدو إلى "إسرائيل") وكُل القواعد والمراكز العسكرية والسفن الأميركية في المنطقة ستكون أهدافا مشروعة لنا".
مُنظمة إرهابية
دعا وزير الخارجية الإسرائيلية جدعون ساعر الأحد، الاتحاد الأوروبي إلى تصنيف الحرس الثوري الإيراني "مُنظمة إرهابية"، خلال محادثات أجراها مع وزير الداخلية الألمانية ألكسندر دوبريندت الذي يزور الدولة العبرية.وكتب على منصة "إكس"، بعد لقائه الوزير الألماني: "أبلغتُه بأن الوقت قد حان لتصنيف الحرس الثوري الإيراني مُنظمة إرهابية داخل الاتحاد الأُوروبي. لقد كان هذا موقف ألمانيا منذ فترة طويلة، واليوم باتت أهمية هذه المسألة واضحة للجميع".
إلى ذلك أعلن ساعر أن "إسرائيل تدعم الشعب الإيراني"،في ما وصفه بأنه "نضاله من أجل الحرية". وقال في مقطع مُصوّر نُشر على منصة "إكس": "ندعم نضال الشعب الإيراني من أجل الحرية ونتمنى له النجاح".
صلاة بابوية
والأحد، رفع البابا لاوون الرابع عشر صلاته "من أجل الذين قُتلوا في الاحتجاجات في إيران وفي الاشتباكات في سوريا"، داعيا إلى الحوار والسلام في البلدين. وقال البابا خلال صلاة التبشير الملائكي: "أتوجه بأفكاري إلى ما يُجرى هذه الأيام في الشرق الأوسط، وبخاصة في إيران وسوريا، حيث تتسبب التوتُرات المُتواصلة بمقتل الكثير من الأشخاص. آمل وأصلي من أجل بناء الحوار والسلام بصبر، لما فيه الخير العام للمُجتمع بأسره".
ووسط هذه الضبابية في إيران، وهذه الفوضى غير "الخلاقة"، لا بل الهدامة بكل المعايير وعلى كل الصُعد... هل ثمة مجال بعد للديبلوماسية في إيران؟.
المصدر:
النشرة