كتب ابراهيم بيرم في" النهار":ليس خافيًا أن زيارة
وزير الخارجية
الإيراني عباس عراقجي إلى
بيروت المفاجئة أتت في لحظة إقليمية ضبابية شديدة التعقيد والحساسية، مرحلة تراكم الضغوط على
إيران نفسها، مشفوعة بتصعيد إسرائيلي – أميركي سياسي – عسكري عليها، ينطوي على تهديدات تعدّها هي نفسها بضربة وشيكة، خصوصًا أن سلطات طهران تبذل جهودًا استثنائية تحاول مواجهة «انتفاضة» داخلية تقودها قوى الاعتراض، نزلت إلى الشارع بفعل التدهور السريع لقيمة العملة الوطنية. وبناءً على ذلك كان بديهيًا أن يجد الحزب في زيارة عراقجيرسالة تطمين عاجلة كان يتلهف إلى سماعها. فمن المعلوم أن أوساط الحزب بدت أخيرًا وكأنها عاجزة عن تقديم إجابات مقنعة لقاعدتها وبيئتها حول مستقبل الوضع الذي آلت إليه إيران، حيث ظهر أن النظام الإسلامي يوشك على السقوط. تقرّ مصادر على صلة بالحزب بأن بيئته كانت «متعطشة» لما يطمئن قلبها على إيران الحليفة «العضوية»، بعد الضربات والنكسات المتتالية التي مرّ بها الحزب منذ تلقّيه الضربات العسكرية
الإسرائيلية القاسية التي كادت تطيح برأسيه السياسي والعسكري، وكادت تقصم ظهره باعتراف قياداته، ومن ثم سقوط
سوريا التي كانت شريان الحياة له، وتحول الحكم في دمشق إلى خصم لدود، إلى تطور سلبي آخر تمثل في أسر
واشنطن الرئيس الفنزويلي الحليف مادورو، والتحضير لتطويع النظام في كراكاس، ما أفقد الحزب وما بقي من المحور متنفسًا وساحة مهمة له.
وإن كان واضحًا أن إيران أرادت بالتأكيد من خلال زيارة وزير خارجيتها إلى بيروت أن تثبت لمن يعنيهم الأمر أنها تواجه كل محاولات إخراجها من
لبنان ، وأنها ليست في وارد الاستسلام للمعادلات المستجدة، فإنه كان من البديهي أن يستند إليها الحزب كعامل دعم وإسناد في المرحلة التي انطلقت فور إعلان بيروت رسميًا انتهاء المرحلة الأولى من خطة حصر السلاح في جنوبي الليطاني، والبدء بإنفاذ المرحلة الثانية التي يُفترض بالجيش أن يبدأها في منطقة ما بين النهرين.
وبالتالي فإن الحزب ما زال يعتبر أن مواجهاته مستمرة، وأنه بحاجة إلى إيران بصفتها لاعبًا أساسيًا في المنطقة، فضلًا عن أحاديث انتشرت أخيرًا فحواها أن «حصرية السلاح»، وفق ما يريده الحكم في بيروت والخارج، لا يمكن أن تتم من دون التفاهم مع إيران، وبطبيعة الحال فإن أصحاب هذه الدعوة ينطلقون من فرضية أن «إمرة» هذا السلاح بيد طهران حصرًا. بناءً على ذلك، فإن الراصدين لأبعاد هذه الزيارة وجدوا أن طهران أرادت بث عوامل التطمين لدى الحزب وجمهوره والبيئة الشيعية، بأنها لن تتركهم وحيدين في عواصف التطورات التي تتعرض لها المنطقة، وأرادت الإظهار أيضًا أنها مازالت تعمل كدولة واثقة من صمودها، لدرجة أنها توفد مع وزير خارجيتها إلى بيروت موفدًا اقتصاديًا رفيع المستوى، في مهمة البحث مع المسؤولين اللبنانيين عن مخططات لتعزيز العلاقة التجارية والاقتصادية مع لبنان. إضافة إلى ذلك، تعمّد عراقجيإطلاق خطاب تصالحي تهدوي، وهو ما يعني في نظر الحزب أن إيران، التي شاء كثر أن يخرجوها من لبنان بعدما أخرجوها قبلًا من سوريا، في طريقها لاستيعاب التحولات والمتغيرات، وقد أطلقت هجومًا مضادًا فابتكرت إدارة شاملة للأزمة الإقليمية المفتوحة على احتمالات شتى. ولذا كان طبيعيًا أن «يحتفي» الحزب برسالة التطمين
الإيرانية ، وإن كانت لا تحمل ما يؤكد أن «موسم الأحزان والآلام» على وشك النهاية.