لم يعد النظام الدولي بحاجة إلى مزيد من الأدلة على انهيار منظومة القانون الدولي. فما جرى في فنزويلا يمثّل ذروة التعبير عن واقع يعيشه العالم منذ عقود، لكنّه بات اليوم أكثر فجاجة ووضوحاً، وإعلان صريح بأنّ واشنطن لم تعد تكترث حتى للمظاهر الشكلية للشرعية الدولية، والتهديدات المبطّنة، اللغة الفوقية، والتلويح بالقوّة العسكرية والاستخباراتية، كلها تشير إلى أنها لم تعد تعتبر نفسها عضواً في نظام دولي، بل سيداً عليه. فما الذي يمنح الولايات المتحدة هذا الحق؟ حتى لو جزمنا بأن نيكولاس مادورو ديكتاتور فاشل، فهو كان في بلده، يمارس سلطته على أرضه الوطنية. لا توجد معاهدة دولية، ولا قرار أممي، ولا حتى سابقة قانونية معترف بها تجيز لدولة ما اقتحام دولة أخرى واعتقال رئيسها. ما حدث هو ببساطة عودة إلى منطق "الحق الإلهي" الذي كانت تدّعيه الإمبراطوريات القديمة، لكن بلغة القرن الحادي والعشرين، وعلى لسان الرئيس الحالي دونالد ترامب .
وما يثير سخط العالم، هي المزاجية الأميركية التي تتجلّى في أوضح صورها عبر ازدواجية المعايير التي لم تعد حتى تحاول إخفاء نفسها. فبينما يقتاد مادورو مكبّلاً إلى واشنطن، كان ترامب قبل ساعات معدودة، يستقبل رئيس الوزراء ال إسرائيل ي بنيامين نتنياهو على أراض أميركية، للاحتفال معه برأس السنة، في مشهد يختزل كلّ التناقضات الأخلاقية والقانونية للسياسة الأميركية. نتنياهو، الذي صدرت بحقّه مذكرة اعتقال من المحكمة الجنائية الدولية بتهم جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في غزة، يتجوّل بحرية في حمى الأخ الأكبر، بينما رئيس دولة أخرى يعتقل لأنّه لا يروق لواشنطن. أمّا المثال الصارخ الآخر، فهو ما كان فعله ترامب نفسه وتمّت إثارته في المؤتمر الصحافي، إذ أصدر عفواً (الشهر الماضي) عن الرئيس الهندوراسي السابق خوان أورلاندو هيرنانديز ، الذي أُدين في الولايات المتحدة بالمساعدة في تهريب أكثر من 400 طنّ من الكوكايين إلى الولايات المتحدة، وحكم عليه بـ45 عاماً في السجن في العام 2024، بتهم مطابقة تقريباً للتهم الموجّهة لمادورو، ولكن ترامب لم يعترف بالعدالة الأميركية التي يروّج لها حالياً، حتى إنّه خلال المؤتمر أيضاً شكّك بثقته بالكونغرس الذي اتّهمه "بتسريب الأخبار". الرئيس الأميركي أصبح هو القاضي الذي يصدر الأحكام، والجلاد الذي ينفذها، والمشرّع الذي يضع القواعد.
الدول الحليفة لأميركا ليست بمنأى عن هذا المنطق. فالتحالف مع واشنطن ليس ضمانة للحماية، بل هو عقد مشروط قابل للإلغاء في أيّ لحظة إذا تغيّرت الحسابات أو تبدّلت المصالح. الرئيس الأميركي اليوم هو ترامب بعقليته ونزواته، لكن من يضمن أن يكون خليفته أكثر اعتدالاً؟ ومن يضمن ألّا يتحوّل حليف اليوم إلى خصم الغد إذا اختلفت وجهات النظر حول قضية ما؟.
في هذا المشهد، تبرز إسرائيل كاستثناء وحيد. الدولة العبرية محصّنة بشكل مطلق ضد هذه المزاجية الأميركية، ليس لأنّها أكثر ديمقراطية أو أكثر التزاماً بالقانون الدولي، بل لأنّ العلاقة بينها وبين واشنطن تتجاوز المنطق السياسي العادي. إسرائيل تستطيع أن تقصف المستشفيات، وتهجّر السكان، وتمارس ما تصفه منظمات حقوقية دولية بـ"الإبادة الجماعية"، وتظل محميّة بالفيتو الأميركي في مجلس الأمن وبالدعم المطلق من البيت الأبيض.
إزاء هذا الواقع، يعود الحديث بشكل كبير إلى وجوب عودة الثنائية للسيطرة على العالم. من الناحية النظرية، هناك مؤشرات على محاولات لبناء أقطاب بديلة. روسيا تحاول استعادة بعض نفوذها السوفييتي السابق، و الصين تتصاعد كقوّة اقتصادية وعسكرية هائلة، ومجموعة "بريكس" تسعى لخلق بدائل للمؤسّسات المالية الغربية. لكنّ الواقع أكثر تعقيداً من هذه المظاهر.
الأهم من ذلك، أنّ الأحادية القطبية الأميركية ليست مجرد تفوّق عسكري، بل هي هيمنة على الأدوات المالية والتكنولوجية والإعلامية والثقافية. الدولار هو عملة الاحتياط العالمية، وول ستريت هو قلب النظام المالي الدولي، " وادي سيليكون " يسيطر على التكنولوجيا والمعلومات، وهوليوود تشكّل الوعي الثقافي العالمي. هذه الهيمنة الشاملة تجعل من الصعب جدّاً تحدّي المنظومة الأميركية بشكل فعّال في المدى القريب.
إذا كان من الممكن الحديث عن أفق لنظام ثنائي أو حتى متعدّد الأقطاب، فهو لن يتحقّق في السنوات القليلة المقبلة، بل ربما في العقد أو العقدين المقبلين، وسيكون نتيجة لعملية تآكل تدريجية للهيمنة الأميركية أكثر منه نتيجة لمواجهة مباشرة. الصين قد تصل إلى نقطة من القوة الاقتصادية والتكنولوجية تجعلها قطباً موازياً، وقد تنجح دول الجنوب العالمي في بناء مؤسسات بديلة فعّالة، وقد تؤدّي الأزمات الداخلية في الولايات المتحدة إلى تقليص قدرتها على الهيمنة الخارجية. وحتى ذلك الوقت، فلننتظر ما ستقرّره محكمة البيت الابيض الدولية.
المصدر:
النشرة