تدخل إيران مرحلة شديدة الحساسية، تتقاطع فيهاالضغوط الداخلية مع لحظة إقليمية ودولية بالغة التعقيد، مايجعل أي قراءة للمشهد الإيراني اليوم مرتبطة بما يتجاوزحدود التظاهرات نفسها إلى موقع إيران في صراع مفتوحعلى شكل النظام الإقليمي كله.
لا شكّ أن اتساع رقعة الاحتجاجات، وتزامنه مع مواقفإسرائيلية وأميركية غير مسبوقة في العلن، يعيد وضع إيرانأمام اختبار حول كيفية احتواء الداخل، وكيفية منع الخارجمن تحويل هذا الداخل إلى أداة كسر للنظام.
على المستوى الداخلي، تدرك طهران أن المشهد الحالييختلف عن جولات سابقة من الاحتجاجات، فالتراكمالاقتصادي، والعقوبات، وتآكل القدرة الشرائية، إضافة إلىالإحباط الاجتماعي والسياسي، كلها عوامل تجعل أيانفجار شعبي أكثر قابلية للتمدد. لكن في المقابل، لا تزالالدولة الإيرانية تمتلك عناصر قوة أساسية متمثلة ببنيةأمنية متماسكة، خبرة طويلة في إدارة الأزمات الداخلية،وقدرة على الفصل بين الاحتجاج الاجتماعي ومحاولاتتحويله إلى تمرّد سياسي شامل.
من هنا يمكن القول أن خيارات إيران متعددة تجاه ما يجري في الداخل، لكنها جميعها تدور حول فكرة واحدةهي منع انتقال الاحتجاج من كونه أزمة داخلية إلى كونهمدخلاً لتدويل الصراع.
بحسب مصادر متابعة فإن إيران تعلم اليوم أن استخدامالعنف المفرط في هذه اللحظة قد يكون هدية مجانيةلواشنطن وتل أبيب، خصوصاً في ظل خطاب أميركي عادللتهديد الصريح بالتدخل، وربط مصير النظام بسلوكه تجاهالشارع. لذلك، تبدو طهران، بحسب المصادر، حريصة علىإدارة الأزمة بأقل كلفة ممكنة، مع الإبقاء على خطوطهاالحمراء واضحة حيث لا تصل الى فوضى شاملة، ولاانهيار أمني، ولا انقسام داخل مؤسسات الدولة.
في المقابل، تنظر إسرائيل إلى ما يجري في إيران كفرصةنادرة، ربما هي الأهم منذ عقود. بالنسبة لتل أبيب، لايشكل البرنامج النووي الإيراني وحده الخطر ولا النظام الصاروخي لوحده، بل مجمل الدور الإقليمي لطهران، منلبنان إلى العراق وسوريا واليمن، وتعلم ان أي اهتزازداخلي في إيران يعني، في الحسابات الإسرائيلية،احتمال إضعاف هذا المحور بأكمله، أو على الأقل شلّقدرته على المبادرة. لذلك جاء موقف رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو داعماً للتظاهرات بلا مواربة،في محاولة واضحة لدفع الأمور نحو أقصى حد ممكن،سواء عبر تشجيع الشارع الإيراني، أو عبر تهيئة الرأيالعام الدولي لفكرة أن النظام في طهران بات "قابلاًللسقوط"، لأن نتانياهو جرب في حرب حزيران الماضية أن يطلق عملية عسكرية ضد ايران ثم يحرك الشارع الداخلي، ففشل، لذلك قد يحاول اليوم اللعب بالشارع قبل اطلاق عملية عسكرية مساندة.
إسرائيل تدرك أيضاً أن إسقاط النظام الإيراني ليس مهمةسهلة، ولا يمكن إنجازها من دون شريك أميركي كامل، ومندون استعداد لتحمّل تبعات هائلة. الحرب على إيران، إنوقعت، لن تكون جولة عسكرية محدودة، بل مواجهة إقليميةمفتوحة، قد تشعل كل الجبهات المرتبطة بطهران. ومع ذلك،فإن النقاش داخل الحكومة الإسرائيلية، كما تشيرالمعطيات، لم يعد يدور حول ما إذا كان يجب استهدافإيران، بل حول التوقيت والسيناريو الأنسب لذلك.
ترى المصادر أن احتمالات الحرب ترتفع نظرياً،فواشنطن، تدرك أن التدخل المباشر في إيران يحملمخاطر لا تقل عن مغامراتها السابقة في المنطقة، وربماأكثر، لذلك لا بد من توافر شروط للنجاح قبل اي خطوة، أماإسرائيل، فرغم اندفاعها، تعرف أنها لا تستطيع خوضحرب من هذا الحجم وحدها.
ما يجعل اللحظة الإيرانية شديدة الخطورة هو أنها تأتيبعد سلسلة تحولات دولية وإقليمية، من أميركا اللاتينية إلىالشرق الأوسط، توحي بأن النظام الدولي نفسه يعيشمرحلة اضطراب. إيران ليست معزولة عن هذا السياق، بلتقع في قلبه. أي اهتزاز كبير فيها سيعيد رسم خرائطالنفوذ، ويعيد طرح أسئلة كبرى حول مستقبل الصراعاتفي المنطقة. من هنا، تبدو طهران أمام معركة طويلة عنوانهاالأساسي هو الصمود والبقاء.
المصدر:
النشرة