يدخل
لبنان العام 2026 وهو يحمل حصيلة متناقضة من العام الذي سبقه: مؤسسات عادت إلى العمل وانتظام دستوري استُعيد، لكن "قرار الدولة" بقي غالبًا مُجزّأً أو مُؤجّلًا. ولعل "الإرث الأقسى" الذي يحمله يتمثّل في "الانفجار الأكبر" الذي نجح في تفاديه عام 2025، أو تأجيله، لكنه دفع كلفة التوتر المفتوح في الجنوب، وكلفة اقتصاد يعيش على "الاستقرار السلبي"، وكلفة دولة تُكثر من إدارة المخاطر وتُقلّل من معالجة أسبابها.
الفارق في 2026 أنّ هامش "الترحيل" يضيق. فبعض الاستحقاقات له مواعيد دستورية واضحة، وإن كان تغييرها ليس مستحيلًا على الطبقة السياسية، وبعض الملفات وصل إلى مرحلة يصبح فيها التأجيل قرارًا مكلفًا بحدّ ذاته، سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا وماليًا. لذلك، يبدو العام الجديد أقرب إلى اختبار مزدوج: اختبار القدرة على إنتاج توازن داخلي يسمح بإجراء الاستحقاقات، واختبار قدرة
الدولة على تحويل العناوين إلى مسارات تنفيذية.
وبين منطق "الحد الأدنى" ومنطق "القرارات الثقيلة"، يبدو أن المعركة الجوهرية في العام الجديد ستتركّز على محورين متداخلين: الانتخابات المفترضة في ربيع 2026 وما تفرضه من قواعد لعبة جديدة، ثم الإصلاحات وما تفرضه من كلفة واشتباك مع المصالح. وما بينهما، يبقى الجنوب معيار الاستقرار وحدود الحركة في الداخل والخارج، وهو الذي استقبل السنة الجديدة أساسًا بتجدّد
الغارات عليه ضمن سلسلة الخروقات المستمرة لوقف إطلاق النار.
انتخابات 2026.. موعد دستوري أم بازار سياسي؟
مع بداية العام الجديد، تتّجه الأنظار إلى الانتخابات النيابية المقررة في ربيع 2026، وتحديدًا في شهر أيار، وسط حديث واسع عن احتمالات تأجيلها، وما يرافق ذلك من شدّ حبال مبكر حول قواعدها ومعاييرها. وتكمن أهمية هذه الانتخابات في أنّها لا تُقرأ كاستحقاق
دوري يتكرّر كل أربع سنوات فحسب، بل بوصفها محطة لإعادة تحديد وزن القوى في لحظة إقليمية حساسة، ومعادلات داخلية متحركة على وقع ملف السلاح والجنوب والضغوط الدولية.
لكن قبل الوصول إلى موعد الانتخابات، يُرجَّح أن تشهد الأشهر المقبلة "سخونة" على خطها، ولعلّ العنوان الأكثر قابلية للاشتعال سيكون قانون الانتخاب وآلية اقتراع المغتربين. عمليًا، أُعلنت مواعيد تسجيل اللبنانيين غير المقيمين للمشاركة في انتخابات 2026 من 2 تشرين الأول إلى 20 تشرين الثاني 2025، فيما ظلّ الجدل قائمًا حول طبيعة الاقتراع: هل يبقى ضمن ستة مقاعد مخصصة للمغتربين كما ينص القانون الحالي، أم يُسمح لهم بالاقتراع لـ128 مقعدًا من أماكن إقامتهم؟
وهذا الخلاف ليس تفصيلاً تقنيًا، بل يختزن صراعًا انتخابيًا قد يرجّح كفّة هنا أو هناك، وبالتالي ينعكس على الاستحقاقات التالية. فكلما ارتفعت "شهية" التعديل ارتفعت معها احتمالات تعطيل التوافق، أو فتح أبواب التأجيل بحجة عدم الجهوزية أو الخلاف على القواعد. وفي المقابل، كلما اقترب الموعد بلا حسم، تتعاظم الضغوط الداخلية والخارجية لإجراء الانتخابات "كما هي"، ولو على قاعدة تسوية الحد الأدنى. بمعنى آخر، فإنّ سؤال 2026 لن يكون فقط "هل ستُجرى الانتخابات؟" بل: "أي انتخابات ستُجرى، وبأي قواعد، وتحت أي توازنات؟".
من "الفجوة المالية" إلى حصرية السلاح.. ملفات لا تحتمل التدوير
إذا كانت الانتخابات هي الاستحقاق السياسي الأوضح في 2026، فإن ملف حصرية السلاح يبقى الاختبار السيادي الأكثر حساسية. ففي 2025 انتقل هذا العنوان تدريجيًا من شعار إلى بند سياسي مطروح، بل إلى مقاربة تُناقَش في المؤسسات، لكنه ظل عمليًا محكومًا بمعادلات الجنوب وباشتراطات الخارج وضغوطه، وبالتوازنات الداخلية في الوقت نفسه. وفي 2026 يُتوقّع أن يزداد الضغط باتجاه خطوات تُقرأ كـ"إشارات تنفيذية"، من دون أن يعني ذلك أنّ الطريق سالك أو أنّ الاشتباك السياسي حوله سيهدأ.
اقتصاديًا وماليًا، يبدو أن العبء الملقى على 2026 لن يكون بسيطًا، للانتقال من تثبيت الانهيار إلى بدء تفكيكه ولو عبر إصلاحات "مؤلمة". وإذا كانت نهاية 2025 حملت خطوة مفصلية مع إقرار
مجلس الوزراء مشروع قانون "الفجوة المالية"، يُتوقع أن تتصدّر المشهد ثلاث حزم في 2026: إقرار إطار توزيع الخسائر وما يتفرع عنه من آليات لحماية الشرائح الصغيرة وجدولة الاستعادة، وإعادة هيكلة المصارف وعلاقة المصارف بالمصرف المركزي، ومسار التفاوض مع
صندوق النقد الدولي الذي كان واضحًا في شروطه العامة: مقاربة شاملة تشمل المالية العامة والدين وإعادة هيكلة القطاع المالي والحَوكمة.
ويبقى
القضاء جزءًا من "سردية الثقة" التي يطلبها الخارج كما يطلبها الداخل المنهك. فالتقدم في ملفات المساءلة واستقلالية القضاء والجرائم المالية لا ينفصل عن أي مسار إصلاحي، لأن قرارات توزيع الخسائر وإعادة الهيكلة ستنتج نزاعات ومراجعات وطعونًا، وستفتح الباب أمام محاولات تعطيل أو التواء على التنفيذ. ومن دون قضاء قادر على ضبط التلاعب وتحصين المسار قانونيًا، ستتحول الإصلاحات إلى عنوان إضافي في بازار السياسة، بدل أن تكون مسارًا يراكم نتائج.
في المحصّلة، إذا كان العام 2025 قد أعاد إنتاج الدولة كهيكل يعمل بوتيرة أفضل، فإن 2026 سيقيس ما إذا كانت الدولة قادرة على التحول إلى سلطة تقرّر وتنفّذ. المعادلة ببساطة: إمّا أن ينجح لبنان في تحويل الاستحقاقات إلى مسارات واضحة، حتى لو كانت تدريجية ومحكومة بتوازنات، وإمّا أن يعود إلى منطق "الحد الأدنى" لكن بكلفة أعلى: كلفة ثقةٍ مفقودة، وكلفة ضغطٍ خارجيّ أشد، وكلفة مجتمعٍ لم يعد يملك ترف الانتظار.