في خضمّ الخلاف الفلسطيني المتصاعد في لبنان على خلفية تسليم حركة "فتح"–قوات الأمن الوطني الفلسطيني، السلاح الثقيل والمتوسط من المخيمات، برز عاملان أساسيان ساهما في إرباك المشهد: تعطّل " هيئة العمل الفلسطيني المشترك " التي دفعت الثمن، وغياب دور "لجنة الحوار اللبناني-الفلسطيني" التي تأثرت بتداعياته، والتي كان يُفترض أن تشكّل حلقة وصل وتواصل لاستكمال مسار الحوار للتسليم أو التنظيم وردم هوة الخلاف.
فـ"هيئة العمل الفلسطيني المشترك" في لبنان، بوصفها الإطار الجامع لمختلف القوى الفلسطينية، من حركة «فتح» وفصائل منظمة التحرير، إلى «حماس» و« الجهاد الإسلامي » وتحالف القوى الفلسطينية والقوى الإسلامية و«أنصار الله»، تراجعت فعليًا عن أداء دورها منذ خطوة تسليم السلاح، التي جاءت ترجمة لزيارة الرئيس الفلسطيني محمود عباس إلى لبنان في 21 أيار 2025 ولقائه الرئيس جوزاف عون ، والاتفاق على تسلّم السلاح في إطار خطة الدولة اللبنانية لبسط سلطتها على كامل أراضيها، بما فيها المخيمات.
ومنذ ذلك الحين، لم تعقد الهيئة أي اجتماع، ولم تُجرِ أي محاولة جدية لإعادة الروح إليها واستعادة دورها، رغم وجود قضايا فلسطينية جامعة لا خلاف حولها، أبرزها الحفاظ على وكالة «الأونروا» واستمرار خدماتها، ورفض التوطين، والتمسك بحق العودة، ناهيك عن احترام السيادة اللبنانية وتطبيق القانون على قاعدة الحقوق والواجبات.
وتشير مصادر فلسطينية لـ«النشرة» إلى أن الهيئة، التي باتت في حكم الملغاة من دون إعلان رسمي، حلّ مكانها مساران متوازيان.
-المسار الأول قادته حركة «فتح» عبر الممثل الخاص للرئيس الفلسطيني ياسر عباس ، وقائد قوات الأمن الوطني اللواء عبد خليل ، والسفير الفلسطيني الجديد محمد الأسعد ، بعد إعادة ترتيب البيت الفتحاوي دبلوماسيًا وعسكريًا وسياسيًا وتنظيميًا.
وقد لفت الانتباه التنسيق مع لجنة الحوار اللبناني–الفلسطيني من جهة، ومع مديرة وكالة «الأونروا» في لبنان دورثي كلاوس من جهة أخرى، وقد أسفرت سلسلة اللقاءات التي عقدوها مع مسؤولين رسميين وقادة أجهزة أمنية وعسكرية عن قرارات عملية، من بينها السماح بإدخال الأثاث إلى المخيمات ومواد البناء لترميم المنازل وفق آلية تنسيق مسبقة، والتحضير لإصدار بطاقة بيومترية خاصة باللاجئين، وخفض رسوم السجل العدلي، تمهيدًا لإقرار حقوق أوسع.
-المسار الثاني تمثّل في ولادة "اللقاء التشاوري الوطني الفلسطيني" في تشرين الثاني 2025، والذي ضم «حماس» و«الجهاد الإسلامي» وقوى التحالف و«الجبهة الشعبية» والقوى الإسلامية و«أنصار الله» و«التيار الإصلاحي» في حركة «فتح» بقيادة العميد محمود عيسى «اللينو». وجاء هذا الإطار بعد تعثّر التفاهم مع حركة «فتح» التي بادرت إلى تسليم سلاحها منفردة.
وأبلغت مصادر فلسطينية لـ«النشرة» أن اللقاء نجح في صياغة رؤية مشتركة للتعاطي مع قضايا اللاجئين في لبنان كرزمة متكاملة، ومن ضمنها ملف السلاح الفلسطيني، حيث خلصت إلى ضرورة تنظيمه لا سحبه، ضمن آلية تنسيق وتعاون تراعي السيادة اللبنانية ومتطلبات الأمن، على أن يجري حوار رسمي يؤدي إلى إقرار الحقوق المدنية والاجتماعية للاجئين.
في المقابل، فضّلت «الجبهة الديمقراطية» عدم الانخراط في اللقاء التشاوري، معتبرة أن الأولوية يجب أن تكون لإعادة تفعيل «هيئة العمل الفلسطيني المشترك» بدل استحداث أطر جديدة من شأنها تعميق الانقسام وإرباك الساحة الفلسطينية. وباشرت حراكًا سياسيًا يهدف إلى توحيد الموقف الفلسطيني أو الوصول إلى قواسم مشتركة على الأقل، في ظل انقسام عمودي وحاد بين «فتح» وفصائل منظمة التحرير من جهة، و«حماس» وتحالف القوى الفلسطينية من جهة أخرى.
وبالتوازي، سجّل مراقبون فلسطينيون غياب دور "لجنة الحوار اللبناني–الفلسطيني" برئاسة السفير رامز دمشقية ، إذ لم يعقد أي لقاء جامع للقوى الفلسطينية في ملف هام وحساس كالسلاح، رغم رصد اجتماعين منفصلين مع «حماس» و«الجهاد الإسلامي»، كان من المفترض أن يتبعهما لقاء أوسع مع القوى المنخرطة في اللقاء التشاوري لم يُعقد، من دون توضيح الأسباب.
ولاحظ المراقبون أنفسهم أن رئيس اللجنة السفير دمشقية أعلن مواقفه عبر وسائل الإعلام، وآخرها تأكيده أن «حماس» لم تتجاوب في ملف تسليم السلاح ولديها إصرار على العناد، في حين ردّت الحركة إعلاميًا مؤكدة أنها لا تملك سلاحًا ثقيلًا في المخيمات، وأن مشاركتها في معركة إسناد غزة انطلاقًا من جبهة الجنوب كانت بسلاح حزب الله، وقد أُعيد هذا السلاح إليها بعد التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار في تشرين الثاني 2024.
وفي ظل هذا المشهد، يتكرّس الفراغ في الأطر الجامعة، وتتعمّق الخلافات، فيما يبقى ملف السلاح الفلسطيني عالقًا بين مسارات أحادية، ولجان معطّلة، وحاجة ملحّة إلى حوار وطني شامل يعيد تنظيم العلاقة الفلسطينية-الفلسطينية، ويؤسس لتفاهم واضح وصولًا إلى حوار رسمي مع الدولة اللبنانية.
المصدر:
النشرة