ما حمله الموفد الأميركي توم براك من
إسرائيل إلى
لبنان جاء معاكساً لما سبق ووعد به في زيارته السابقة في 18 آب، إذ وعد بإيجابيات فعاد بسلبيات، فتراجع عن فكرة "خطوة مقابل خطوة" فجاء من تل أبيب بإصرار على سحب السلاح قبل البحث في أي خطوة إسرائيلية مقابلة، لجهة الإنسحاب ووقف الاعتداءات وإطلاق الأسرى. وما طرحه رئيس الوزراء
الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حول استعداد جيشه لتقليص وجوده مقابل سحب سلاح
حزب الله ، ليس سوى مناورة سياسية وإعلامية تحمل أكثر من تأويل ولا تعكس نية حقيقية بالانسحاب من الأراضي
اللبنانية المحتلة. فبدلاً من التعامل مع الالتزامات الواضحة التي يفرضها القرار 1701، يحاول نتنياهو الربط بين مطلب دولي ملزم لإسرائيل وهو الانسحاب، وبين مطلب سياسي تضعه حكومته على الطاولة وهو نزع سلاح حزب الله. هذا الخلط المقصود يهدف إلى حرف النقاش عن مسؤولية إسرائيل في الخروقات والاعتداءات اليومية وتحميل لبنان عبء معادلة شبه مستحيلة التحقيق.
فمصطلح تقليص الوجود، كما تقول مصادر سياسية، هو مصطلح غامض ويتيح لإسرائيل هامشاً واسعاً للمناورة، إذ يمكن أن يعني تخفيف الانتشار العسكري في بعض النقاط أو إعادة التموضع التكتيكي من دون أي
التزام بانسحاب كامل. وفي المحصلة، يبقى المؤكد أن إسرائيل ليست بصدد الخروج من الأراضي اللبنانية المحتلة، لأنها تعتبر هذه البؤر أوراق ضغط استراتيجية في مواجهة لبنان وسوريا على حد سواء.
وعليه، فإن الرد الإسرائيلي الرافض على الورقة الأميركية الأخيرة يشكّل ، بحسب مصادر نيابية نافذة سياسية ثمينة للحكومة اللبنانية. فالمبادرة التي وضعتها
واشنطن بدت حتى الأمس القريب كأنها إطار وحيد للحل، وكانت
بيروت أمام خيار صعب: إما القبول بما يتجاوز قدرتها، أو رفض المبادرة وتحمل تبعات الغضب الأميركي. اليوم تغيّرت المعادلة. فإذا كانت إسرائيل هي التي نسفت المبادرة، فإن لبنان لم يعد مطالباً بتقديم تنازلات إضافية، ولا يوجد ما يمكن أن يقدّمه للأميركيين أكثر مما قدم. هذا التطور يعطي الحكومة فرصة لالتقاط الأنفاس داخلياً، وإعادة ترتيب صفوفها بعد أسابيع من المناخات المشحونة والانقسامات السياسية. إذ يمكنها أن تقول: نحن لم ننسحب من المبادرة، لكن إسرائيل هي التي أفشلتها. وبهذا تنتفي مسؤوليتها أمام واشنطن والعواصم الداعمة للمسار.
رغم ذلك، تدرك الحكومة أنها لا تملك ترف إعلان انسحابها من المبادرة الأميركية بشكل مباشر، لكنها تستطيع التصرّف بمرونة الإبقاء على خطاب الالتزام بالقرار 1701 وتنفيذ بنوده عبر الجيش مع تسجيل تحفظ واضح بأن أي خطوات عملية رهن بانسحاب إسرائيل من مواقعها شمال الخط الأزرق ووقف اعتداءاتها اليومية، وتوظيف الرد الإسرائيلي كذريعة دبلوماسية ترفع الضغط عنها وتلقي بالمسؤولية على تل أبيب.
وفيما أنهى الجيش إعداد خطته للمرحلة المقبلة في الجنوب، في خطوة استراتيجية تكتسب أهمية مضاعفة في ظل قرار مجلس الأمن الدولي الأخير بتمديد ولاية قوات
الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) حتى نهاية 2026، على أن يبدأ بعدها انسحاب تدريجي للقوة الأممية، تم الاتفاق على أن يعرض قائد الجيش العماد رودولف هيكل الخطة أولاً على رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون لمناقشتها، قبل أن يحيلها
وزير الدفاع ميشال منسى إلى
مجلس الوزراء في جلسته المقررة في الثاني من أيلول، وأوضح منسى أن الجيش يتحرك دائماً ضمن إطار القرار السياسي، مؤكداً أن أي خطة تكليفية للقيادة العسكرية يجب أن تحظى بموافقة الحكومة، وأن النقاش الحكومي سيكون الأساس لتحديد الموقف النهائي وتنفيذ الخطة، بما يضمن التوافق بين التوجه العسكري والإرادة السياسية للدولة.
بالتالي، تبدو خطة الجيش خطوة استباقية حاسمة، تجمع بين الجاهزية العسكرية والتنسيق السياسي المؤسسي، فهي لا تضمن مجرد تنفيذ عسكري، بل تصنع مساراً وطنياً متكاملاً يربط بين الأمن الداخلي والالتزام بالقرار الدولي.
في ضوء هذا المناخ، من المفترض وفق مصادر نيابية، أن تسير جلسة مجلس الوزراء المقبلة وفق السيناريو التالي: الاستماع إلى خطة الجيش بشأن الانتشار جنوباً وتدوين موقف متحفظ يشترط أن يبدأ التنفيذ العملي بالتوازي مع انسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية المحتلة، مع التأكيد على أن وقف الأعمال العدائية يشكل شرطاً أساسياً لاستقرار الوضع، إذ لا يمكن للبنان تطبيق التزاماته في ظل استمرار خرق إسرائيل للسيادة البرية والبحرية والجوية.
بهذا السيناريو، تتمكّن الحكومة من الحفاظ على موقعها كشريك متعاون أمام
الولايات المتحدة ورفع المسؤولية عن نفسها إذا تعثرت المبادرة، وتحميل إسرائيل كامل المسؤولية عن إفشالها وكسب فرصة لتهدئة الداخل وقطع الطريق على مناخات الانقسام التي غذتها الضغوط الخارجية.